الاثنين 30 مارس 2020 - 08:29 صباحاً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 

الرئيسية ابداع الناقدة الدكتورة زينب العسال تكتب: شفيقة ومتولي وتباين الابداع(3)

 

 
 

الناقدة الدكتورة زينب العسال تكتب: شفيقة ومتولي وتباين الابداع(3)

  الأربعاء 08 يناير 2020 01:00 صباحاً   




الغريب أن متولى يطلب زيارة مقام سيدى جلال الدين السيوطى تبركًا. إن الراوي الشعبي دائمًا ما يربط بين الفعل والعزم والاستقواء بالأولياء للتقرب إلى الله، برغم أن ما ينتويه متولي فى نفسه يغضب الله، الراوى يحيي عادة متأصلة لدى المصريين، وهى زيارة مزارات أولياء الله.

بعد الزيارة يتجه متولي لزيارة أعمامه وأخواله فى المدينة، ويعرّف الأصدقاء بهم.

كيف يوصل متولي إلى شفيقة هذا الأمر؟

هذا ما عالجه الشاعر الشعبى، فبعدما انتهت زيارة متولى وأصحابه لأقاربه، يتجه إلى قهوة العطيل. يدور حوار درامي بين متولي وصاحب القهوة، ينذر بما سيحدث:

انته تشرب أيه أجيبو لك

قال هاتلي شاى الغلب مر

سمعوا المعلم وراحلوا المعلم.. راح لمتولي

قالّو: يا أخينا داير بكى مالك

ما كنت قاعد بكمالك

يكنش خدو من البك مالك

قالوا ياريت راح مالي

قالوا ياريت راح مالي.. الموت بقى ستري ورحمالي

وزماني عكسني وراح مالي

علشان واحده اسمها شفيقة

قيمة المال ترخص أمام تلطيخ الشرف والعرض، هكذا يؤكد متولي فى أكثر من موضع، ونلحظ أنه لأول مرة يذكر اسم شفيقة مرتبطًا بمعاناة متولى، تأكيداً على أن سبب العلة هي شفيقة الغائبة الحاضرة، لكن الراوى لا يفصح عن السبب الحقيقي لهذه المعاناة التى يعرفها المتلقي ومتولي، ولا يدركها صاحب القهوة.

 ينكشف المستور على لسان صاحب القهوة الذى يؤكد شكوك متولي، وأن أخته وقعت فى طريق الرذيلة، فيزداد الموقف حدة، وتغلى الدماء فى عروق متولى، ويصر على الثأر لشرفه.

قالوا انته مؤمن من تقى رب ليك

لو فى الجواب ده تقرا قبليك

قالّوا انته مؤمن

انت زبنها ولا تقربلك

قال أنا راجل ريس كلامتين

والحب بهدل كل متين

عايز اقابلها فى كلمتين

وفى العزاب قلبى مربيه

قالٌوا شفيقة على البلكونه دي

لم يفصح متولي عن الصلة التى تربطه بشفيقة، ونفى أن يكون واحدًا من عشاقها، أو زبائنها، لأنه رجل شديد البأس، لكن الإنسان أمام الحب تهون عليه نفسه، ويصبح ذليلًا، هذا تعليق الراوى على كلام متولى، لم يجرب متولي حب امرأة، فقلبه متربي على العذاب، لذا لم ينعم بحب المرأة.

بعد الحوار الطويل بين متولي وصاحب القهوة، يتذكر الموال الأصحاب، الصحبة هنا لها معنى ودور فيما انتواه متولي:

وبعت صحابو طلعوا المنزل

يا جرجاوي يا جرجاوي يا متولي

يتحدث الشاعر بوعي الشخصية التى غابت طويلًا عن المشهد، فتأتي فى صورة تؤكد ما طرحه الموال من انحرافها:

شفيقه افتكرتهم زباين

تجعل أصحاب أخوها زباين

شفيقة مثل بطل المآسى الإغريقية الذى يسير إلى طريقه المحتوم، دون أدنى محاولة للمناورة، أو الرجوع عن القدر المكتوب:

قابلتهم على السلمات

وقالت يا زباين سلامات

فى هذا المقطع يصور المغنى الشعبى أن شفيقة لم تعد تتحلى بالحشمة أو الاستحياء أو مراعاة الأصول، لاحظ عبارة قابلتهم على السلمات، إنها تتلهف على استقبال زبائن الرذيلة، ولا يعنيها أن يكون هؤلاء أصحاب أخيها أم لا " عايزه تعمل للمسالمات " .

يتم استدراجها من قبل أحد أصدقاء متولى، فيعبر عن غرامه وهيامه بها، وأنه قادر على دفع ما تطلبه من المال، فى مقابل معرفة أصلها، ومن أين أتت؟

لو تطلب مال بالي أديك

بس قوليلنا منين أراضيك

قالت أنا مسكينة ودمعي بل إيدي

هذا هو بيت القصيد. نسمع صوت شفيقة - صاحبة المأساة - لأول مرة. سيعرف المتلقى المسكوت عنه منذ بداية الموال، رحلة شفيقة مع الضياع.

قالت أنا مسكينة ودمعي بل إيدي

وسنتين سكنه البيلا دي

وفى الأصل جرجا بلدي

هذه المعلومات العديدة يعرفها المتلقى دون تدخل من المغني الشعبي الذى كان يتدخل عند الحديث عن متولى، ورحلته مع التجنيد بوصف تفصيلي، وتأكيد على معان بعينها عبر فكرة التقطيع، وتخريج المعاني، واستخدام ألوان البديع لإثراء المشهد، والتنويع فى الأداء.

   منذ البداية تعترف شفيقة بأن الظروف أوصلتها لما هى فيه، الفقر ورحيل السند والوحدة والفراغ [ علينا أن نتذكر أن متولي - نفسه - كان يخاف الوحدة، لهذا لم يتقدم للجندية مثل أترابه ]. إن الندم على ما ارتكبته صار فعلًا يوميًا، لدرجة أن دمعها صار يجرى كالنهر على يدها، صيغة المبالغة هذه لا تتسق مع استقبال الزبائن والترحيب بهم. الرجل - صاحب أخيه - بقى يبكي ويقول يا ستار.. يا ستار من هذه الفضيحة، لكنه استمر فى مهمته التى   كلف بها، ولم يفصح عنها الموال.

لعل الشاعر أراد أن يشد مستمعيه إليه، ولندرك أن الشاعر هو الذى ينسج الأحداث الدرامية، التعرف إلى شخصية شفيقة ذروة الحدث، وكشف سرها لعبة العشق والغرام التى تجيدها:

وجاب على الويسكى أوتار

البت كان غايب وليفها

دى ناس دايرة الدنيا ولفاها

صب أول كاس ولافاها

شربتو وطلبت مزه جابوا لها مزة

 وقعت شفيقة فى المحظور، واستجابت للكلمات المعسولة. يظهر الشاعر عدم تعاطفه مع شفيقة، حينما يصفها بأنها امرأة لفة ودايرة، فهى ليست بالبريئة المحترمة التى تجلس فى دارها، لقد خبرت الرجال وعاشرتهم،  ومن ثم فإن الموال يعاملها باستهتار، هى فى نظره " بت غاب وليفها "، وعليها أن تشغل هذا الفراغ العاطفى بمصاحبة الرجال!

تتكشف اللعبة، فأصحاب متولى عليهم أن يغيّبوا وعى شفيقة حتى يتمكن متولى من قتلها.

ولا أدرى لماذا يغيب وعي الفتاة؟

هى لا يمكن أن تقاوم،  فمتولى قوى البنيان وعازم على الأخذ بثأره، والانتقام لشرفه:

صب وناولها تاني دور

والكاس التالت صّبلها

مرضيتش تشرب سبّلها

ترفع العيون وتسبّلها

أى قهر تشعر به شفيقة؟

يا لضعفها وقلة حيلتها، لاحق لها في الرفض، لقد سلبت إنسانيتها، عليها أن ترضخ لكل أمر يصدر من الرجل، أو تتلقى كلمات السب والاهانة، تقابل شفيقة كل هذه المهانة بالمهادنة، فهى لا تجيد إلا تسبيل العين، لعل الزبون يرضى عنها!

تم تخدير شفيقة، والسكة فضيت أدامك يا متولى، شوف السكرانه لما تفوق

وشافتو وفاقت من الخمرة

قالتلو خدنى واتوب على إيدك

 

أخبار اخرى فى القسم