الخميس 01 أكتوبر 2020 - 09:38 صباحاً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 

الرئيسية مكتبتى الباحث والشاعر حاتم عبد الهادي يكتب عن : التغريبة السيناوية عند عماد قطري

 

 
 

الباحث والشاعر حاتم عبد الهادي يكتب عن : التغريبة السيناوية عند عماد قطري

  الجمعة 12 يونيو 2020 07:30 مساءً   




___ .اذا كان المؤرخ الكبير / جمال حمدان قد كتب عن جغرافية سيناء وتاريخها،وكتب عنها كزانتزاكيس،وسار بأرضها المتنبى،وكتب قصيدته عن كافور الإخشيدى عبر صحرائها ، فان عماد قطرى قد سار على رمالها، وهام فى حبها،ووقف متأملاَ وقت الغروب بين البحر والصحراء،يلقى زورقه فيسير مع شمس الغروب الى بوابات الجمال،فنراه يكتب عنها كراهب فى محراب، وكمحب عابد يتغنى بهيامها ،هذا هو عماد الإنسان، ابن الشعر والنور والخلود ، وثيقة حب نُدَبِّقَها لمحبته،ولقلبه الرائع السامق الجميل . واذا كان نعوم بك شقير قد جمع تاريخ سيناء،وكتب عنها كزانتزاكيس نثراً،فان الشاعر/عماد قطرى فاقهم بحبه،وكتب تاريخها شعراً،عبر التغريبة السيناوية التى جاءت في ثلاثة أجزاء : (بعض ما قالت العارِيَّةْ )- العاريّة المستعارة–بتشديد الياء- وليست العارية من العري،و( تلك الدار)، و(مدن البعاد)،وعبر هذه الرحلة الطويلة في الدواوين الثلاثة يسجل شاعرنا الباذخ / عماد قطرى مشاهداته،وذكرياته،تاريخ المكان عبر الأزمنة،وكأنه يعيد استلهام التاريخ القديم والحديث والمعاصر،فهو يُعَرِّجْ بنا الى ربوع سيناء، بداية من رفح-البواية الشرقية لمصر،ثم العريش،نخل، الحسنة، بئر العبد،وهى مراكز سيناء الرئيسة،وتلك لعمرى رحلة امتدت الى سنوات قضاها على أرض الله المقدسة هناك ، حيث التين والزيتون ، يضىء طور سينين،ولا يفصل هنا الشاعر بين شمال وجنوب ووسط سيناء،- كما فى التقسيم الإدارى الحالى - وكأنه يعيد كتابة تاريخ سيناء المعاصر، شعراً، وذلك – لعمرى – جهد – كان قد بدأه الرحالة كزانتزاكيس نثراَ، ثم أكمله عماد قطرى عبر التغريبة السيناوية، فهى تغريبة الذات، وتغريبة المثيولوجيا ،وكأنه يحيلنا الى تغريبة بنى هلال في سيناء، وصحراء التيه التى تاه عبرها اليهود في رحلتهم مع موسى الى فلسطين، وما كان من أمر أبوزيد الهلالى سلامة فى بحيرة البردويل ، وقصصاَ أخرى عن السيرة الهلالية لم تُشْتَهَرْ،وقد جمعها مؤخراً الباحث / مسعد بدر ،لتكمل حلقة مفقودة في السيرة الشعبية هناك،كذلك . وفى قصيدته : ثلاثية بئر العبد: " على باب خيمة أم معبد" ،نراه يعيد استلهام الميثولوجيا الرامزة، البداوة ، أدب الرحلة ، فهو يبدأ بالسؤال : - يَا أُمُّ مِنْ أَيْنَ الطَّرِيِقُ إلى رَفَحْ ؟ *يَمِّنْ قَلِيلاً ثُمّ يَسِّرْ سَاعَةً إِنْ ضَلَّ خَطْوُكَ فَاصْطَبِرْ وَ اسْتَفْتِ نَخلكَ و التُّرَابْ -يَا أُمُّ وَ الْبِئْرُ الوَجَعْ .. مِنْ أَيْنَ مُفتتَحُ الخَلاَصْ وَ أيْنَ .. أَيْنْ ؟! . انها أسئلة المحب، الرحالة الذى يطلب حق اللجوء العاطفى، في زيارة سيناء،سكناها،والعيش بين صحاريها ووهادها وجبالها، ولنشاهد جمالية الشعرية هنا في تلك المحاورة الباذخة،الدرامية، التى عقدها مع أم معبد ، فوجدناها تصف له الطريق،بداية من بئر العبد الى رفح، بل وتشير اليه بأنه لو ضلَّ الطريق، فعليه أن يستفت قلبه والنخيل ، لأن قلبه المحب الواله، الصوفى، سيدلّه الى الطريق، حيث النيل – قديماَ – فرع النيل البيلوزى في منطقة بالوظة، وحيث الرمال الطاهرة المقدسة التى كان النيل يقطعها عابراً سهل الطينة الى قلب الصحراء الشاسعة هناك ، يقول : *النِّيْلُ والطَّمْيُ الخَصِيبُ و خُطوَتَينْ - و الرَّمْلُ يا أُمَّاهُ و التيهُ التَّلِيدْ ؟ * النيلُ أقربُ من دبيبِ النَّبْضِ من حبلِ الورِيدْ - -يا أُمُّ مَا كذِبَ الفُؤادُ ولا انْحنَى - فَلِمَ الخطيئةُ لا يُرَاوِدُهَا المَتَابْ ؟ *الرِّيْحُ يا وَلديْ اسْتَوتْ فوقَ النَّخيِلْ وأعلنَتْ يومَ الحسَابْ .. انه يبحث عن أصل البداوة،خيمة أم معبد،التى تمثل رمزية التراث، عبق الحكمة،عبر دروب سيناء، حيث مفردات الطبيعة ،تحيلنا الى هوية المكان،والسكان:الشجر والحجر والبشر،وهى ثلاثية مفردات الحياة هناك،يقول : -والشَّيْخُ ؟ مَا للشَّيخِ و الرِّيْحُ المُطاَعْ ؟ الشَّيخُ يا أُمَّاهُ ما صَدَّ الرِّعَاعْ *وجَعُ التَّشَرُّدِ يا صغيرُ و آهَةٌ مِلْحُ المسافاتِ الشَّرِيْدَةِ و الخُطَى صَهْدُ الدُّروبِ وما تَخَلّدَ في الرِّقَاعْ -يَا أُمُّ مَا للشَّاةِ أرهَقهَا الْهُزَالْ و ذَا الصَّبِيْ ؟ *عجَباَ لِسُؤلِكَ يا صَغِيْرُ أمَا دَرِيِتْ ...؟ ماتَ النَّبِيْ -والتِّينِ والزَّيْتُونِ يَا ... *التِّيْنُ أَحْرَقَهُ الغَبِيّْ -والْحَصْرُمُ المُلْقَى هُنَا مَاذَا جَرَى ...؟ *صَهْ .. (وِشْ تِبِّيْ)* ؟ انه يستخدم مفردات اللهجة البدوية في سيناء،"وايش تبّى"،أى ماذا تريد؟،وعبر الهيش ،وأشجار العادر البدوى ،والزيتون المضىء، وساحل المتوسط الساحر، والنخيل الذى يدلل الى شموخ البادية، وعادات وتقاليد المكان ، رأيناه يشير الى الأحداث التاريخية التى وقعت والحروب، وطمع الغاشم الصهيونى في استعمار الأرض ، لكن سيناء فداها المصريون بدماء الشهداء الطاهرة . وعبر التناص الإحالى، يحيلنا الى قصة استشهاد الحسين عبر الدم المراق، المسفوك،وكأنه يربط التاريخ المعاصر بالماضى، في تناص وتقاطع بديع، تناص اشارى رامز لدمائنا العربية المهدرة في فلسطين، وسوريا ،والعراق ،وليبيا، واليمن، وغيرها . كما يعلى الشاعر – هنا - من قيمة الوطن، مصر عبر الصقر،رمز الشموخ الوطنى ،الذى يتوسط علم مصر السامق ، يقول : مَا بحرُ العريشِ سوى دمِيْ ودمِي عريشُ ابْنِ السَّبِيلْ والنَّخْلُ قالتْ جَدَّتِيْ كانَ الشَّهيدُ على الشَّهيدْ سِفْرُ الْجَرِيْدِ مُخَلَّدٌ كانَ الحُسَيْنُ و مَا ارْتَضَى يوماَ يَزِيِدْ النَّخْلُ في وادي العريشِ مُخَضَّبٌ وَدَمُ الحُسَيْنِ مُسافِرٌ نحوَ السَّماءِ ومَا يُريِدْ الماءُ يا أُمُّ الْوَليِدْ... *الماءُ أنتِ .. وَ لَا مَزِيِدْ - دَمُنَا المُرَاقْ .. *قُلْ يَا يَزيِدُ إلى مًتَى ؟ رَدَّ الْحُسَيْنُ : الصَّقْرُ سَيْفُكَ مَا تُريِدْ ؟ والنِّيْلُ نِيْلُكَ لَنْ أَزِيِدْ.. هذا وتجىء النهاية المفارقة عبر السؤال الذى يتغيّا تشاركية القارىء: دمنا المراق، قل يايزيد الى متى ؟ ليحيلنا الى الصقر رمز البداوة من جانب،ورمز الوطن،عبر ثنائية التراكم والترميز واستدعاء الموروث الدينى والإجتماعى والوطنى كذلك.. انها شاعرية المحب الراهب، صوفية خاصة للحب، شوف ووله، ووجع عبر المخيال المثيولوجى التاريخى، الإجتماعى، والسياسى أيضاَ . يظل شاعرنا السامق / عماد قطرى يهريق الحب عبر صحراء النور، أرض القمر والفيروز، أرض البحروالنخيل ، وأرض الشهداء كذلك .

 

أخبار اخرى فى القسم