السبت 26 سبتمبر 2020 - 10:27 صباحاً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 

الرئيسية مكتبتى الباحثة اية العطار تكتب عن " كوابيس النهار" للاديب السعداوى الكافورى

 

 
 

الباحثة اية العطار تكتب عن " كوابيس النهار" للاديب السعداوى الكافورى

  الثلاثاء 16 يونيو 2020 10:26 صباحاً   




ترنيمات من النغم في قبو من الألحان إن وقائع الحياة في النهار قد تتحول إلى كوابيس إذا كانت مؤلمة في وسطها ونهايتها فتتحول بأيامنا من إشراق إلى أفول وإن نفثة عندما تكتب بالأقلام فإن أحبارها من دم صاحبها وقطعة منه لا تَبرحه إلا أن يفرغ داخله على أوراقه فتشعر نفسه بالرضا وإلا فلا.. في المجموعة القصصية (كوابيس النهار) تجتمع عناصر القصة بشكل محكم وصورة متكاملة حتى يخيل للقارئ أنه سيد الأحداث فالعنصر السائد فيها هو الشخصية الواصلة التي احتفى بها كاتبنا فكانت أشد بروزا من غيرها، فهي التي تنازع آلام المخاض فنعايشها كما نعايش آلامنا وتفتقر إلى حبها الأول وأنستها في وحدتها فتسبح بنا في عالمها من الأحلام وتستقطع وقتا من الحياة لتشعر فيه بالاكتمال فتعاني كابوسا من كوابيس النهار وتنتقل من شغف الحب إلى زينة النساء وحسنهن فتأتي مفاتيح النفس لتُصرع مغاليق الحياة… ولنلق نظرة على عناصر أخرى تميزت بها مجموعتنا القصصية (كوابيس النهار): أولاً: جاءت القصص بصيغة المتكلم فالبطل يروي الأحداث ويصفها ويعبر عن شعوره بتلك الأحداث ولسان بطلنا لغة فصحى لا غموض فيها وقليل من الجمل كانت عامية على لسان بعض الشخصيات فنجد في (مسافة في جسد الحلم) ابنة الخالة تخاطب البطل بلسان عامي فتقول: لا يمكن هو دخول الحمام زي خروجه أنت بايت عندنا الليلة، وإن لاحظنا تردد كلمة (المضمخة- ضمخت) وهى: المبالغة في انتشار رائحة أو غيرها والتصاقها بالشيء كثوب ونحوه، فكأنه تلطخ بها. إلا أن الألفاظ في مجملها سهلة مستساغة للقارئ تعبر عن الصورة بأداة سلسلة وتصوير متفان. ثانياً: الشخصيات في كوابيس النهار هي السائدة والبطل ذكر في قصص المجموعة عدا قصتين هما: مخاض - صهيل حاد لفرس عجوز، وإن كان البطل الزائف في الأخيرة أيضا فتى، وقد كان صهيل لا يسمن ولا يغني من جوع. والشخصية الأنثى في المجموعة هي صورة لامرأة ضعيفة مقهورة تتمسك بحلمها الزائف الذي طالما انتظرته يتحقق فتنجب طفلا بعد عناء الانتظار لكن يحول القدر بينها وبين تحقيقه فتكتشف زيف حملها وتذوق كابوسا من كوابيس النهار.. لكن صورة المرأة بعد ذلك تغيرت فهي مرأة بلا مبادئ في (وقت مستقطع) وبلا عفة أو خجل في (أغنية للبراح) بل إنها خائنة لزوجها في كلتا القصتين تصبو بعينيها إلا غير ما أُحل لها ولا تملك في ذلك حياءً أو قيمًا وهي شخصية واهنة تصيح في الفضاء لا جدوى من صوتها العال فهي تخضع آخرا إلى رغبة ابن شقيقها حتى أننا نجد صياحها كصهيل الحصان حيث عَنون الكاتب لقصته ب(صهيل حاد لفرس عجوز) وسنتحدث بعد ذلك عما فيها من رمز، فالمرأة تسعى لإغواء الرجل ، أما الرجل فدائما يرغب في اكتماله بالأنثى أو يسعى لأجل المال فهي حبه الأول أو حبه العذري أو حنان يفتقده أو ابنة تريد فستانا يدخل السرور على قلبها في العيد فهو منشغل بها مفتقر إليها يعاني من الحرمان والجفاء وقلة العيش، ولا نغفل شخصية المعتدي أو الشرير بين أفراد القصص ففي قصة(مسافة في جسد الحلم) نرى صورة واضحة لكيفية تفاعل الشرطي مع الأفراد قولا وفعلا، والزوج في قصة (مخاض) كيف حمل زوجته مثل كيس قطن ووضعها في مؤخرة السيارة.. ثالثاً: عنصري الزمان والمكان في المجموعة. إن قصص المجموعة كلها من وحي الطبقة الكادحة من عامة الشعب لا نجد فيها بطولة لصاحب سلطة أو مال حتى ابن العمدة خاب أمله فيمن أيده (مرشحه) ليشغل منصب والده ونهرته أمه لأنه لم يحي مجدا وخيب أملا كان لأبيه فهو بلا سلطة وإن كان يعيش في منزله الفخيم كما عبر كاتبنا. فالمكان هو وسط القاهرة، محطة المترو، المجمع السكني، حلوان، الإسكندرية، المحطة الكبيرة، الميدان، محل كوافير، شاطئ النهر، البيت، الطريق الترابي، المنزل، الحظيرة، ترعة قريتنا.. أما الزمن في كوابيس النهار فهو إما يعبر عن الماضي ک؛ الزمن الغابر، العام الماضي، الماضي الجميل، أمس، أو يعبر عن الحاضر کاليوم، في الصباح، الوقت، دقائق، ساعات، فألفاظ المكان والزمان هذه تدلل على أن الكاتب قص مشهدا بعينه وحالة شعورية حدثت في وقت قصير في مكان داخل وطنه الذي ينتمي إليه فيصوره ويجعل منه مشهدا حيا حتى يتراءى للمتلقي صورة كاملة يستحضرها في مخيلته أبرع من لوحة يراها مرسومة على مرأى منه. رابعاً: الحبكة والفكرة والنهاية في {كوابيس النهار} مما تميزت به القصص أيضا هو انسيابية الأحداث وتسلسلها وتماسك أجزائها فالبداية تؤدي بنا إلى الوسط ثم النهاية ولا يمكن أن نحذف أحد أجزائها فالكاتب لا يستغرق في وصف شخصياته فيكون ذلك سببا لاحتفائه بعنصر الشخصية وإنما يأتي بالوصف حينما يحتاج الحدث إلى ذلك الوصف ومن أمثلة ذلك: ارتدى بدلته الصيفية الباهتة، يفضح صلعته تيار هوائي ساخن، الطفل الصغير ذو الثياب الرثة والذي تبدو عليه علامات الرجال، فهو يرسل للقارئ رسائل عن طريق هذه الصور لترسخ معالم الشخصية في ذهنه وتكتمل، والعقدة أو الحبكة التي تبرز من خلال الصراع الوجداني وتصاعد الأزمة ثم انفراجها تأتي واضحة كما في قصة (مخاض) فعندما شعرت الزوجة بأعراض الحمل وأخذت تسبح بأفكارها فرحة بحملها ثم آلت الأحداث إلى ذهاب الزوج بزوجته إلى الطبيب وجاءت لحظة أن ترى وليدها على الشاشة ( الأشعة التليفزيونية) فكانت عبارته الفاصلة "حمل كاذب" فتداعي الأحداث ثم انفراجها يأتي في تسلسل وإحكام تام وكذلك في قصة (مسافة فى جسد الحلم) إذ في قراءة البطل للجريدة ثم لخبر سقوط البلوك وشعوره بأنه ذاته الذي تسكن به خالته ويتصادف وجود ابنتها وهي أيضا حبه الأول فيأخذ نفسه مهرولا في رحلة قصيرة إلى حلوان وعندما يصل تقر عينه بأنه ليس البلوك الذي تسكن فيه خالته ومن ثم حبه الأول.. هذا عن الحبكة أما الفكرة والنهاية فيغلفهما معنى الخذلان وإن كان على سبيل الرمز في (كبوة تليق بفرس أصيل) فعندما تخلى البطل عن قناعته ولم يتسق مع ذاته وذهب إلى موكب المرشح الفائز وصفه الناس ب"وجه الكاوتش" وكانت النهاية التي تمثل مزيدًا من الخذلان، وسخرية مثّلها الفرس الأصيل الذي لم يرضى بالوهن الذي وضعه به صاحبه، فباغته في استدارة سريعة رافعا ذيله وقاذفًا بدفعات متتالية من الروث اللين.. لطخت ثوبه بل ووجهه، ذلك لأن المبادئ يجب أن تكون ثابتة في أحلك الظروف لا ينفك عنها صاحبها أبدًا!؟ وأيضا في (صهيل حاد لفرس عجوز) حيث يروي الكاتب الأحداث على لسان العمة فردوس آسفا على تفريط ابن شقيقتها في أملاك أجداده ثم الجزء المطل على الشارع من البيت وهو أهم أجزائه لكن سمة التفريط والرغبة في المكسب القريب يعميان الفتى عن أهمية ميراثه وأنه لا يقدر بثمن وأن أملاكه هي جزء من كرامته ولا يفرط في أرضه إلا لئيم ، والعمة فردوس في هذه القصة لا حول لها ولا قوة وكل هذا فيه ما فيه من رمز إلى واقع عايشه وتجرع ألمه الكثيرين، وقبض أثمانه القلة. ونضيف إلى معنى الخذلان الشعور بالألم والوحدة الذي عليه البطل من حاجته إلى من يؤنسه وإلى المال كذلك لكي يسد به قائمة بمتطلبات أسرته وحتى يستطيع أن يجتمع مع من تؤنسه وأن تذهب وحدته بعيدا ولكن هيهات ما تمنى فيكظم غيظه وينتهي بمضغ جوعه وأحزانه وأشياء أخرى مريرة..

 

أخبار اخرى فى القسم