الخميس 01 أكتوبر 2020 - 09:35 صباحاً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 

الرئيسية قضايا الكاتب المغربي نور الدين بو صباع يكتب عن :الإنسان العربي والإسلامي ومأزق الكينونة

 

 
 

الكاتب المغربي نور الدين بو صباع يكتب عن :الإنسان العربي والإسلامي ومأزق الكينونة

  الاثنين 22 يونيو 2020 05:39 مساءً   




إذا كان جريمي بنتام قد اعتبر الإنسان حيوانا اقتصاديا يتصرف على أساس اللذة وغياب الألم وأن هذه اللذة لا يمكن أن تعبر عن نفسها إلا كإفراز لعلاقات إنسانية شاذة يطغى فيها البعد الاقتصادي والذي يختزل الإنسان كماهية وجودية و إنسانية في بعد واحد هو البعد الاقتصادي، بالشكل الذي يجعل منه مجرد منتج ومستهلك مدفوع بأنانية جارفة لتحقيق مصلحته الشخصية أولا وأخيرا، وهذا ما أطلق عليه الإنسان الاقتصادي، وإذا كان إميل دوركايم قد اعتبر الإنسان حيوانا اجتماعيا محكوم عليه بالعيش في إطار اجتماعي انطلاقا من نظريته حول تقسيم العمل الذي أفزرت واقعا موضوعيا يقوم على أساس أن التعاون والتفاعل بين الأفراد هو حتمية لابد منها إذا أردنا العيش المشترك، نتيجة امتلاك البعض للموارد و وسائل الإنتاج و حرمان البعض الآخر منها،  وهذا ما يفترض الاعتماد المتبادل بين الناس، وإذا كان هربرت ماركوز أحد مفكري مدرسة فرانكفورت قد اختزل الإنسان في الإنسان ذو البعد الواحد بعدما أصبح إنسانا مستلبا إلى حد التوحد، و أمسى رهينة للأسياد، لا يحق له الاختلاف معهم أو معارضتهم أو المطالبة بالتغيير، وأيضا عندما تحول وعينا الجمعي إلى وعي زائف منخرط بشكل طوعي في سلسلة الإنتاج المتراكمة التي أصبحت تشكل ماهية سلوكاتنا اليومية و طبيعة علاقاتنا الاجتماعية ونمط عيشنا الذي تغلب فيه النمط  الرأسمالي والصناعي والذي كشف عن أزمته عندما أصبح عنوانا للتشيؤ والاغتراب و موت المعنى وضياع الفرد.

وفي هذا الصدد، ما هي ماهية الإنسان في سياقنا العربي والإسلامي؟ وهي الديناميات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تؤثر في تشكيل بنيته الذهنية ؟ أسئلة متشابكة، وفي نفس الوقت أسئلة موضوعية تمت الإجابة عليها من قبيل كثير من المفكرين الموسوعيين العرب، ولازال واقع الحال يفترض البحث والتنقيب عن أجوبة لها راهنيتها لاستجلاء أعطاب هذا الإنسان الغارق في تخلفه وتبعيته وتمزقه بين هويات قاتلة.

في نظري، أي التصورات الأكثر وجاهة يمكن أن نميز بها الإنسان العربي و الإسلامي؟ يمكنني الإجابة بدون مقدمات نظرية و ابستمولوجية وسوسيولوجية هو "الإنسان الفرنكشتاين" إنسان آت من تاريخ معطوب ومشوه ومن جغرافية قاحلة و وعرة، ومن طوائف دينية وعرقية متصارعة، إنسان يعيش انفصاما وجوديا يجعله لا يميز بين حدود الذات والموضوع، ولا يفرق في إيقاع حياته بين الماضي والحاضر والمستقبل أثناء قراءته للتاريخ و استنباط الدروس والعبر منه والتي يمكنها أن تغير المعادلات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تم فرضها على المجتمع، ولا يحدد أثناء الحديث عن الانتماء بدقة الفروقات الجوهرية بين الوطن والهوية، وهذا ما يؤدي بشكل خطير إلى استفحال ما يمكن أن نسميه بالهويات القاتلة، إنسان مشوه تم تشكيل وعيه وتحديد مصيره في ظل  سياسة لا شعبية، سياسة تمعن في تكريس تنمية التخلف وتعميق التبعية وتأبيد الواقع القهري.

الحقيقة المرة التي تجعلنا منا أناسا مشوهين في فهم ماهيتنا الوجودية إزاء تاريخ إنساني كوني يتحرك ويتقدم إلى الأمام، و يؤثر في كينونتنا وإنسانيتنا كما يقول المفكر العربي الكبير محمد عابد الجابري هو أننا ليست لنا فلسفة للتاريخ تراهن على المستقبل، وأضيف شخصيا أنه ليست لنا أيضا فلسفة للسياسة أو للثقافة أو للاقتصاد نستطيع من خلالها مجابهة تحديات المستقبل متسلحين بالمعرفة وبالعقل الخلاق القادر على الإبداع والابتكار الحضاري، وذلك نتيجة  غياب ثورات حقيقة داخل سياقنا العربي والإسلامي بخلاف السياق الأوروبي الذي عرف ثورات حقيقية ميزت كل قرن على حدى فهناك قرن للعقل وقرن للتاريخ وغير ذلك من الثورات التي غيرت مجرى التاريخ الأوروبي و وضعته على سكة التاريخ.

أنا لا أنكر قمة الفردانية التي تسم الغرب، و تاريخه الدموي من خلال الحربين المدمرتين الأولى والثانية، و مساهمته في تشكيل كثير من الكيانات السياسية العميلة ،وسرقته لخيرات وثروات الشعوب العربية وبتحالف مع الأنظمة الرجعية.فهذا أمر واضح وجلي ولا يتناطح فيه كبشان، وأنه غرب كما يذهب مفكرو مدرسة فرانكفورت قد فقد إنسانيته و أصبح عبدا مطيعا من جهة أولى ومنبطحا من جهة ثانية لسلطة التكنولوجيا وللرأسمال، و لكن هذا لا يعني أن الغرب لا يغلي من داخله من أجل استعادة الهوية المغتصبة من الإنسان، وأن  المفكرين الغربيين  وعلماء الاجتماع بكل تخصصاته لا يجتهدون يوميا بأفكارهم و اطروحاتهم بحثا عن إنسانية الإنسان في أبعاده المختلفة الروحية والمادية، واذكر هنا على سبيل المثال اجتهادات مارسيل غوشيه الذي يناقش بكل جرأة  أطروحة  عودة الدين إلى الحياة العامة في الغرب وضرورتها للخروج من مأزق الغرب التي فقد بوصلته،وعليه أين نحن في سياقنا العربي من هذا الجدل المحتدم في الغرب و الذي نعتبر أن اكتمال إنسانيتنا  لا يتحقق إلا بالهروب إليه أي الغرب دون أن نكلف أنفسنا الاجتهاد لمعرفة أسباب تخلفنا التاريخي وسبب عيشنا مقهورين و مهدورين من إنسانيتنا

 

أخبار اخرى فى القسم