السبت 26 سبتمبر 2020 - 09:58 صباحاً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 

الرئيسية مكتبتى الشاعر الكبير احمد سويلم يكتب عن اطلالة ايمان يوسف الشعرية

 

 
 

الشاعر الكبير احمد سويلم يكتب عن اطلالة ايمان يوسف الشعرية

  الاثنين 06 يوليو 2020 04:34 مساءً    الكاتب : افريكانو الثقافي




إطلالة على الإسكندريةبالفصحى والعامية ************** حينما بدأت أقرـ (إسكندرية بالفصحى والعامية) استدعيت أبياتاً لابن الرومي تقول: وقصة هذه الأبيات أن ابن الرومي كان له بيت فى بغداد.. وحاول جارٌ له أن يجبره على بيعه ومغادرته.. فرد عليه بهذه الأبيات.. ومنذ اللحظة الأولى ندرك أن إيمان يوسف أُجبرت مثل ابن الرومي على مغادرة الإسكندرية.. لكنها لم تتنازل عن بيتها وذكرياتها وصباها وأحلامها فى هذه المدينة الساحرة. نحن هنا أمام تجربة تختلف كثيراً عن تجارب المبدعين السكندريين.. وأزعم أنني متابع لإبداعاتهم بشغف شديد.. فوجدتهم يتولهون بها.. ويقدمون لها قلوبهم وبوحهم.. وينعمون تحت ظلالها.. ويسبَحُون فى مياهها الزرقاء التى تماثل عيون معشوقاتهم.. وينصتون إلى تغريد أطيارها.. ويصاحبون النوارس والمراكب ويستعذبون الغرق فى بحرها. ولأنهم حينما يغادرونها لوقت طال أو قصُر.. فهم يحتفظون لها بهذه المشاعر الفياضة التى تمنحهم الطاقة الإبداعية المتفردة.. ولأن إيمان يوسف تمتلك الفصحى والعامية.. فهي لم تبخل بهما فى بوحها.. وبالرغم من اختلاف مستوى اللغة فى قصيدة النثر الفصحى.. وفى قصيدة العامية.. وفى السرد.. فإننا نجد أنفسنا أمام قصيدة حب إلى الإسكندرية متعددة الألوان والمذاقات.. صادرة من قلب صادق المشاعر لا يتلون.. ولا يتجمل.. بل يعبر بتلقائية محببة.. تثير الدهشة.. وتهب المتعة.. وتتوج هذه المدينة العروس بتاج ذهبي صنعته من كلماتها وبوحها النبيل.. إن إيمان يوسف – كما قلت – أُجبرت على ترك الإسكندرية – فشعرت بالغربة والتمزق بين نهر النيل.. والبحر السكندري.. ويلاحظ النيل ذلك.. فتبادره بحس شعري مرهف: حبيبي النيل.. لا تعاتبني على الغياب إنها الإسكندرية.. أمي ارتمى فى أحضانها لتتجلى بسحرها.. وتضمدني - وتنهى هذا النص بقولها: إنها الإسكندرية التى منحتني مفتاح القصيدة ترى.. هل من الممكن للشاعر أن ينسى وقع أقدامه الأولى.. وأولى طرقات القلب فى حياته.. وبراءة الدهشة فى عينيه.. إن مفتاح الشعر بدأ فوق شط الإسكندرية وليس على شط النيل لهذا.. فهي تخش أن يصدأ المفتاح بمياه الطمي.. لأنه غريب ولأنها لا تستوعب أن تري الشط الأخر على بعد أمتار قليلة.. فقد اعتادت عيناها أن تسبح فى البحر المحيط ولا يوقفها شط قريب ولا شط بعيد.. أو على حد قولها: تمنحني الاستغراق فى الدهشة.. ثم نجدها تجسّد حزنها وفراقها وتتساءل فى جنون: أين سفينتي وأشرعتي ومجدافي أين أنا.. أكاد أسمع صرخات ثورتي تشبه ثورة أمواج الشاطئ أسلم عمري للرتابة وصمت الوقت فى وداع سلبي ثم تفاجئها أحلام اليقظة والذكريات المتدفقة: أيها البحر المستفز زجاجة الماء التى أهديتها لي سأسكبها قطرة قطرة سأنثرها على نبضي لأستعيد سر الحياة.. لكأنها صارت تكتفي باليسير.. فقد كان البحر كريماً جواداً لا يعرف البخل ويفيض بالحب والعطاء.. ثم ها هى مرة أخرى تتذكر رائحة اليود التى كانت تهب عليها من البحر.. إنها الرائحة التى تشمّمها قلمها فامتلأ بها.. وملأت هى أيضا بها صدرها.. لم يعد قلمها يتشمم هذه الرائحة.. فتجمد.. وتصور إيمان هذه الحالة حين تقول: اليود الذى ملأت به قلمي تجمد.. لم يعد يعرفني لم يعد يطلق حرف القصيدة تكاثفت الجمل على صدري والروح تقوقعت لقد انتُزعت الزهرةُ من عودها.. والروحُ من أمواج بحرها.. ولكي تخفف من معاناتها.. ألقت على البحر طرفًا من هذه المعاناة والبحر من ذلك براء.. حبيبي البحر.. حين أصدرت قرارك بالخروج من أبواب حياتي أحاطتني الثلوج وكان ردّ الفعل.. موات.. تجمد دمى عندما أعلنتَ الفراق وفى الحقيقة.. لقد كان القرار بعيداً تماماً عن البحر.. ومن ثم فقد ظلمت إيمان بحر الإسكندرية حينما حمَّلَتْه هذه المسئولية ولعلها أحست بذلك حينما تقول (حبيبي البحر) لأن داخلها يحرص على محبته برغم هذه المعاناة.. ولهذا سرعان ما تلقي الشاعرة بنفسها فى أحضان البحر.. حتى لا تنال غضبه أو قسوته عليها. وكأن البحر أدرك ذلك فالتزم الصمت ولم يجب.. وهنا تتوسل الشاعرة بكل البشر لكى يسترضوه: قولوا له وأنا معه أيامي صحراء تراقص الأهوال والقصائد من سفر إلى سفر تبحث عن الأجنحة ومنارات سابحة بأقمار أحلام غير رابحة قوله له: ما زلت أنا الأميرة التى تحلم بالأمير ولأنها كما نرى لا تملك فى هذه الحالة توازنا نفسيا يجعلها تبوح بإحساسها المرهف.. رأت نفسها أن تخبر البحر بالواقع المرير: قررُت هذا العام أن أتحرر منك وأغرد وحدي بعيداً عنك ولم يتحاور معها البحر.. بل أحسب أنا طأطأ برأسه وكأنه يقول لها: براحتك.. أو كما تشائين.. فهو يعلم أنها الحائرة وليس هو. إن الشاعرة كثيرا ما تعيش ذكرياتها لتخفف عنها أساها وأحزانها وغربتها.. فنجدها تتذكر هذا النبض الذى أسرع إلى حبيبها لتكتمل حياتها.. فقد رأت فيه رجلا يرقص بإحساسه وتعزف له موسيقى القلب.. ولا ينطفئ جمره.. رجلا كالموج فى الإحساس.. يمتلك الشجاعة التى جعلته يختطفها من المكابر والإباء والتمنع.. وها هى تلخص ذلك كله فى قولها: أخيراً.. أصبح لى شجرة أستظل بها من عناء الفقد وكانت هذه الكلمات خاتمة الفصحى للإسكندرية.. --------- ونفتح صفحة العامية.. على مشهد أشد حساسية.. وندرك من الوهلة الأولى ذلك الوهج الكامن الذى تفجر فى كل قصيدة.. وكأنه أشعة الحياة والأمل تنطلق من الشمس المتوهجة.. والإسكندرية لإيمان يوسف هى الحب.. وهى التى تضمد جراح العاشقين: بحرك مداوي جروح لروح المحرومين زمن الصفا بتصحصحي فينا المشاعر يا قصيدة العمر الجميل.. يا سلسبيل يا إسكندرية الساحرة.. يا آسرة أنا بنت قلبك شاعرة ياللا اكتبيني بين سطور الذاكرة وهى فى عاميتها أقدر على التعبير عن عاطفتها.. ربما لأن العلاقة بالبحر.. لا تقتضي حذْلقة اللغة ولا تثقيف الكلمات.. بقدر ما تتطلب التلقائية بلا قيود.. يا أم الملاية اللف تتمشي ع الكورنيش خلخال بنغمة تزف فستانك أبو كورنيش وقوامك الغزلاني.. وكأنها ترسم لنا بكلماتها لوحة بنات بحري لمحمود سعيد.. وتذكرنا إيمان بيوسف شاهين فى فيلمه (إسكندرية كمان وكمان) وبسيد درويش الموسيقار الخالد.. والذى تخاطبه بقولها: آه يا عود افتح الشباك وعود أملا ريشتك من عيون البحر واعزف وأنت عايش فى القلوب وتغني للبحر.. ولكراسي الكورنيش.. وتتحاور مع الموج والشتاء والربيع والشمس وهى تطلع.. ثم تغيب فى أقصى البحر.. ثم ها هو البحر أخيرا يحس معاناتها حينما وقفت أمامه تبكي: لما وقفت أنا عند البحر طبطب على كتفي وكلمني: حاسس بيكي.. عارف يرك بصى فى لوني خلّى فى قلبك لحظة تدلّك قولي لى.. فضفضي قلبك جوفي الواسع هيشيل همك وفى نهاية القصيدة تقول: دلوقتى أنا أقدر أجاوب إنى عاشقة البحر وصنعه قصائد مملوءة بالحب والإحساس العميق والصدق.. وهى تكاد كلما وجدت الفرصة.. أن تطير بأجنحة الشوق إلى البحر لتعانقه وتستلهم منه أشعارها وأوتارها الحبيسة ------------- وها نحن نفتح الفصل الثالث والأخير من هذه السيمفونية المشحونة بالعاطفة الإنسانية.. (الإسكندرية فى السرد).. وكأن الشاعرة لم تكتف بهذا البوح الذى شمل مائة صفحة من الكتاب.. فأرادت أن تضيف شبه سيرة ذاتية مختصرة ممزوجة أيضا بالبحر.. ومفعمة بحب الإسكندرية.. بدأت إيمان هذا الفصل بمخاطبة الشعر الذى يكاد يهجرها حينما غادرت الإسكندرية إلى القاهرة.. فأحست بالغربة والوحدة والبعاد عن مصدر إلهامها وحضورها ومشاعرها.. وربما نجد تكرارا لكثير من المعاني التى جاءت فى الفصحى والعامية.. ولكنها بالنثر الصريح.. وكأنها تريد من هذا التكرار تأكيد هذه المعاناة.. وتتذكر إيمان طفولتها حينما كانت تلميذة ويتقدم لها من يخطبها وتنقسم الأسرة فريقين: فريق يوافق.. وآخر يريد أن تكمل تعليمها.. وكان الحل الأوسط أن تحصل على الثانوية العامة وتتزوج زميلها فى العمل.. نكمل تعليمها فى تحد ومقدرة متفردة.. وتعرض لنا إيمان أعلام أسرتها.. وكأنها تضعهم أمام أعينها لتتمثل بهم.. وتصر على أن يكون لها وجودها الخاص كما كانت لهم شهرتهم فى المجتمع.. وقد حدث.. وكانت إيمان يوسف الشاعرة.. القاصة.. كاتبة الأطفال.. الناقدة.. المشاركة فى العمل الثقافي بحضور وقوة.. نحن إذن أمام عمل متميز جمع الشعر بلونيه والنثر والسيرة الذاتية بين دفتي كتاب.. بقى أن نقول: إن أسلوب العرض كان سلسًا شائقا جذابا لأنه صادق تابع من القلب لوطنه آلى ألا يبيعه كما فعل ابن الرومي قديماً.. أحمد سويلم

 

أخبار اخرى فى القسم