الخميس 24 سبتمبر 2020 - 11:06 مساءً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 

الرئيسية مسافة فى عقل د.حاتم الجوهري :محمود درويش تفرق دمه بين القبائل نتيجة الإرتباك بين الإنتاج والتلقي

 

 تناول إبداعه بين الدراسات العربية والعبرية
 

د.حاتم الجوهري :محمود درويش تفرق دمه بين القبائل نتيجة الإرتباك بين الإنتاج والتلقي

  السبت 08 أغسطس 2020 06:04 صباحاً    الكاتب : زينب عيسي




 

"الجوهري" :القول بوجود إبنة شرعية لمحمود درويش نوع من المزايدة الثقافية

التطبيع الثقافي خرافة انتهت روج لها البعض في التسعينيات وفق ظروف بعينها

  بعضهم يظن تناول مضامين الأدب الصهيوني بالدرس والتحليل نوعا من الأيديولوجيا!!

أعمل مؤخرا على مشروع لدراسة خطاب الاستلاب العربي للآخر

حاورته -زينب عيسي

 

يواكب اليوم  ذكري وفاة الشاعر الفلسطيني الكبير  محمود درويش أحد أبرز الشعراء العرب  الذين أضافوا إلي الأدب العربي بعدا إنسانيا وطنيا حيث عبرت قصائده عن عدالة القضية الفلسطينية ما جعلها في حالة تواصل مع الحياة والأرض ،حيث برع في توظيف الخصوصية لتتحول إلي قضية عامة من خلال دلالات رمزية ميزت إبداعه الرفيع الذي يعد تعبيرا عن مكانته المرموقه وإنجازه الشعري المرتبط  بمرحلة تاريخية، لقضية ارتبطت بمصير أمه.

ومحمود درويش قرأ الأدب العبري قراءة واعية تتوازي مع إطلاعه علي الأدب العربي بما يكشف ثقافته الموسوعية البعيدة عن مصطلحات تحدد منجز المبدع في صور نمطية ورؤي ضيقة الأفق، وهو مامنح شعره زخما كبيرا، وتم ترجمة قصائده  إلى لغات مختلفة، و حصل على العديد من الجوائز، مثل: جائزة الّلوتس، وجائزة ابن سينا، وجائزة لينين، والعديد من الجوائز الأخرى العالمية، والأوسمة.

حول رحلة  محمود درويش الشعرية والحياتية والفكرية دار الحوار مع الشاعر والباحث الدكتور حاتم الجوهري الذي كشف عن عالمه الشعري والثقافي بتناقضاته وتحولاته ، ورأيه في حضور درويش في الثقافة العربية وحقيقة وجود ابنة غير شرعية له وغيرها من الإشكاليات الثقافية  فقال:

بداية؛ هناك في مصر وربما العالم العربي مواسم تنشط فيها بعض الأشياء بـ"صورها النمطية" وقوالبها الجاهزة، وما يشبه الحمى النفسية الجماعية التي قد تصيب البعض سنويا أو تنشط مع بعض الأحداث، منها مثلا موسم الليبرالية المتطرفة وبناء شواهد قبور بطولية ونضالية لكل ما هو مخالف لطبائع الأشياء مثل: شذوذ الميل الجنسي، أو الانجاب العرفي خارج مؤسسة الزواج الرسمي وصب اللعنة على طرف بعينه. وهناك مواسم أخرى يمكن تسميتها مواسم جلد الذات، وتكون سنويا مع هزيمة عام 1967م مثلا وذكرى الوحدة مع سوريا عند البعض، وعند البعض الآخر قد تكون ذكرى انفصال مصر عن السودان، وميلاد أو وفاة الملك فاروق آخر ملوك مصر سليل أسرة محمد علي.

وهناك أيضا مواسم للمزايدة الثقافية كما في حالة بعض الشخصيات العربية، خاصة إذا تعلق الأمر بموضوع يخالف التراكم والتواتر المصري والعربي السياسي/ الثقافي، ويأتي في هذه الفئة موضوع وجود ابنة غير شرعية لمحمود درويش، في موجة جديدة من المزايدة الاستقطابية معه وضده في الآن نفسه.

 

كيف تنظر أنت  لمحمود درويش بصفتك باحثا في الأدب العربي والأدب العبري، ومبدعا تكتب الشعر بالأساس، وهل كانت لك صلة أكاديمية أو بحثية به وبإنتاجه الشعري؟

سأخبرك بسر أذيعه للمرة الأولى؛ محمود درويش كان سببا في أنني نقلت تسجيلي للدكتوراة من جامعة إلى جامعة أخرى بمصر، منذ عقد كامل من الزمن وبعد أن حصلت على الماجستير بتفوق في رسالة طبعت بعنوان "خرافة الأدب الصهيوني التقدمي" وصفها البعض بأنها نقلة معرفية في تخصص الأدب العبري من حيث المصادر والمنهج والنتائج وتأثيرها المركزي المستمر، أردت أن تكون رسالتي للدكتوراة مقارنة بين أدب المقاومة وأدب الاحتلال من حيث المداخل والمخارج وعناصر التأثير والتأثر المتبادلة، واخترت محمود درويش نموذجا لرسالتي مقارنة بشاعر عبري آخر تراوح بين يهودا عميحاي ودافيد أفيدان، أردت أن أستكشف نماذجا جديدة بعيدا عن يتسحاق لاءور الشاعر الذي اتخذته نموذجا لرسالة الماجستير، لكن الأمر قوبل برفض شديد وصراع إداري حامي الوطيس بين الأقسام العلمية، لرفض البعض أن يتناول تخصص اللغة العبرية جانب الأدب المقارن.

إنما شجعني أحد الأساتذة -رحمه الله عليه- على الانتقال وتسجيل موضوع المقارنة الأدبية في كلية الآداب بجامعة عين شمس، لكن الأمور لا تسير دائما وفق الأمنيات، قوبل الموضوع مجددا بالرفض والتعنت الشديد، ولم يستطع رحمة الله عليه تمريره في القسم، واستقر الأمر على تناولي لفكرة جديدة تماما أيضا تبحث في ظهور تيار العدمية في الأدب الصهيوني وجذوره الثقافية والفكرية، لكن بعد ذلك تم فتح الباب للدراسات المقارنة، إنما مع توجه تبناه البعض أقرب لما هو شكلاني ظاهري وما بعد حداثي– وإن كنت اعتقد طبعا في وجود أساتذة وباحثين أكثر تفحصا وتعمقا في تناولهم للأدب المقارن ببعده الثقافي لا الشكلاني- هذا التبني الشكلاني يفتقد لمهارت التأسيس والبحث عن الجذور الثقافية في الأدب العربي، ومقارنته بالأدب العبري أو الصهيوني، رغم وجود جهد يحترم للجامعات الفلسطينية في الأدب المقارن بين الصهاينة والفلسطينيين لم يقف عليه البعض..

 حيث قصر البعض نفسه على دراسة أساليب الأدب والشعر، واعتبر أن تناول المضامين الأدبية والأنساق الثقافية للشعر العربي والصهيوني هو نوع من الأيديولوجيا! دون حتى أن يكلف نفسه عناء تعريف ما الأيديولوجيا!؟ ولم تصله مفاهيم النقد الثقافي أو دراسات ما بعد الكولونيالية في الأدب العالمي أو المناهج البنية العابرة للتخصصات! ويميل للظاهراتية والانطباعية ويختزل الأدب عامة في الشكلانية وبعض تمثلات الأسلوبية! بعض الباحثين رغم اشتغالهم بالآداب الأوربية أو التي تأثرت بها، إلا أنهم مقلدين لمدارس النقد الرائجة في مصر وما قد تستقطبهم به من جوائز، أو تسكين في بعض المساحات الثقافية النمطية، أو لمقابلتها هوى في تكوين بعضهم أو شخصيته الانطباعية، وهو ما جعل بعض الدراسات تخرج مرتبكة معرفيا، وتحاول مغازلة طبقة ثقافية معينة في مصر والعالم العربي، طبقة أصيبت باليأس بعد هزيمة المشروع العربي القومي في الستينيات، وأنتجت تيارا أدبيا منذ السبعينيات -وتطور في التسعينيات- يقوم على أفكار التحلل من القيم الكبرى وسردياتها، والتخلي عن طموح الجماعة العربية والمصرية في استعادة الذات، وأصبحت تيارا تابعا للمركزية الأوربية يردد مقولات ما بعد الحداثة عن الفصل بين الفن وآلياته، وبين مضمونه والمقولات التي يحملها.

في رأيك؛ ما السر الذي قد يحمله عالم محمود درويش الشعري، بعيدا عن المواضيع الشخصية، وما سر الارتباك والخلط في فهم الموقف الشعري والوجودي والمعرفي عموما لمحمود درويش عند البعض حتى الآن؟

ما لم يقف عليه بعض الباحثين في الدراسات العبرية والعربية – وظل بعيدا عن وعي النخبة العربية حتى اللحظة، هو علاقة محمود درويش بتيار "الصهيونية الماركسية"، وعلاقة الصهيونية الماركسية كتيار رئيسي في الحركة الصهيونية بنشأة اليسار الفلسطيني المبكر في الربع الأول من القرن الماضي، قولا واحدا اليسار الفلسطيني المبكر في بدايات القرن الماضي، أنشأ كوادره اليسار الصهيوني على أفكار "الصهيونية الماركسية"، عن وطن يجمع يهود أوربا وعرب فلسطينيين معا تحت شعارات دولة بوليتارية تشارك في النضال العالمي ضد الرأسمالية.

محمود درويش كان اختياره متشددا –لسماته الشخصية- حيث هجر الفكر العمالي "الصهيوني الماركسي" العابر للقوميات النافي للهوية، وتبنى الفكرة القومية وهويتها العربية وهاجر خارج فلسطين المحتلة، لكن ظلت بعض التناقضات المضمرة كامنة وموجودة في شخصيته، وانعكست بالطبع على اختياراته الشعرية (كمضمون) وأسلوبه الشعري (كشكل)، على مستوى المضمون ظل درويش متأرجحا بين الطرح العابر للقوميات الذي يميل لفكرة الإنسانيات المشتركة عموما كتطوير منه لفكرة التنميط الماركسية ورفضها للتمايز الثقافي والهوياتي، وبين الطرح القومي العربي (الذي كانت إحدى أبرز تمثلاته قصيدة "سجل أنا عربي") أيضا كرد فعل على تيقنه من فشل وتشوه مشروع الأيديولوجيا الماركسية في طبعته الصهيونية

أتقصد أن هناك مشكلة في توفر المصادر التي تتناول تلك المساحة التاريخية، رغم مرور كل هذا الوقت الذي يقارب قرنا من الزمن، أم أن المشكلة حسب كلامك عي ارتباك المنهج العلمي والتناول، والفصل المعرفي بين النسق الثقافي العام والكامن عند درويش والثقافة الفلسطينية، وبين المنتج الأدبي وتناول فنياته وعتباته النصية؟

أصبت كبد الحقيقة؛ الارتباك حاضر في المنهج بالأساس، والجرأة في تناول المصادر البحثية وعدم تكرارها، حاليا المصادر مفتوحة ومتعددة للغاية لكنها تتطلب امتلاك مهارات "الباحث الافتراضي"، باحث صاحب رؤية مدمجة تقوم على المعرفي والثقافي والفكري الشامل حتي يعرف ما يبحث عنه، أقصد بـ"الافتراضي" الباحث الذي يجيد التعامل مع شبكة المعلومات المفتوحة ويملك شتى الحلول في قدرته على تطويعها، وأن يثق في منهجه  ولا يخاف من تتبع موضوعه البحثي وفرضياته مهما بدت مغايرة للسائد، وذلك هو مربط الفرس في شخصية الباحث؛ أن يقف وراء موضوعه إذا كان على يقين من صحة إجراءاته المنهجية وتعدد مصادره، لا أن يقف مع السائد ويحاول أن يسير في الركب.

 

هل المناهج التي تتناول الأدب في جانبي الشكل والمضمون ميسرة وسهلة التطبيق، وهل هناك مناهج تربط بين الشكل والمضمون، وكيف تختلف مهارة باحث مقارنة بآخر في استخدام المنهج ذاته، وباستخدام المصادر أو المراجع نفسها؟

هناك مناهج نوعية تتطلب قدرات خاصة ومتراكمة لدى الباحثين وهي المناهج الكلية والسياقية والثقافية، مثل مناهج الدراسات البينية والثقافية والحضارية للأدب التي يمكن أن تنتج علاقة بين عناصر الشكل والمضمون معا، حال اجتهاد الباحث في ذلك وقوته معرفيا في مجموعة مهارات تشمل: المعرفة الموسوعية والتحليل النفسي، والوعي الثقافي وقوة الحس اللغوي العام والمقارن، والفهم التاريخي لعلم الإنسان (الإنثروبولوجيا) ونظريات المعرفة ومساراتها الاجتماعية، باحث مثل هذا يمكن أن يقدم فرضية ويختبرها ويخرج بنتيجة نظرية قابلة للتعميم. لكن هناك مناهج إجرائية ونمطية ظاهراتية تقف عند المستوى الأول الذي يقوم على الحصر والوصف لفكرة ما، دون وضعها في سياقها الثقافي والتاريخي والاجتماعي، وهذه مناهج تصلح للباحث غير القادر على التفكير على مستوى متعدد ومتداخل بشكل ثقافي متكامل.

هل تقصد أن هناك دراسات تمت عن محمود درويش دون أن تكون على مستوى تجربته الزخمة والإحاطة بها، من ناحية المنهج العلمي وإجراءته المتبعة؟

هناك بعض الدراسات في أقسام اللغة العبرية عن درويش رغم أنها مُررت لأسباب مختلفة، إلا انها لم تراعي الاشتراطات المنهجية كحصر الدراسات السابقة في الموضوع خصوصا، وفي الخلفية الثقافية والمعرفية أو الأبستمولوجية عموما، والبعض يقع في خلط أو ارتباك شديد في فهم المعني الأبستمولوجي عند أدباء الأيديولوجيا والتوجه الماركسي ثم التحول القومي عند درويش مثلا. نظرية المعرفة عند الأيديولوجيين حاضرة وليست غائبة مثلما قد ينطبع في ذهن البعض سواء من الطبقة الأكاديمية وسياقات الإنتاج، أو الطبقة الصحفية وسياقات التلقي، ما "الاشتراكية الواقعية" كمنهج أدبي ماركسي إذا لم تكن إحدي تمثلات نظرية المعرفة عند هؤلاء!

وتكمن المشكلة عندما يتناول باحث درويش في دراسة مقارنة مع شاعر صهيوني ماركسي آخر، ويقع في عدة مطبات منهجية، أولا إذا رجع لدراسة مثل دراستي "خرافة التقدمية في الأدب الإسرائيلي"، بوصفها إحدى الدراسات السابقة التي تناولت شاعر الصهيونية الماركسية "يتسحاق لاءور" كنموذج لها، فإنه قد يجتزأ منها بقصد أو بدون، أو حتى يقتبس منها ومن ترجمتي بالحرف دون إشارة لذلك، دراستي تناولت العلاقات الكلية ودلالاتها عند الشاعر الصهيوني، والتقنيات الأسلوبية المستخدمة في الشعر ووعت كل ذلك في سياق نقدي ثقافي عام، مبينة أثر المضمون على الشكل وتجلياته وأثر الشكل على المضمون وتجلياته، ونظرية المعرفة التي قد ينطلق منها الشاعر الأيديولوجي في المشروع الصهيوني، وتكسرات وتناقضات ذلك في علاقته بالعربي مثلا، ومفهومه للاحتلال الذي يرفضه، حيث الأرض المحتلة عنده ليست فلسطين إنما هي حدود ما قبل 1967، ويصور العربي كضحية لا كوطني مقاوم يدافع عن أرضه، ويتحسر على الحال وفشل مشروع الصهيونية الماركسية عموما، وهو ما رصدته في رسالتي للدكتوراة التي تناولت ظهور الاتجاه العدمي في الأدب الصهيوني، ونشرت تحت عنوان "نبوءة خراب الصهيونية: العدمية في الأدب الصهيوني"، متناولا كنموذج لها شاعرا رئيسيا آخر في المشروع الصهيوني هو ديفيد أفيدان.

هل هناك علاقة للصحافة الثقافية المصرية والعربية، بارتباك تلقي محمود درويش هنا وخطابه النقدي أو الشعري، أو صورته الذهنية عموما، أم أن الارتباك قد يكون في سياق إنتاج الدراسات نفسها فقط عند الأكاديميين، وليس في سياق تلقيها أو نقلها من خلال الوسيط الصحفي أو الإعلامي في الصحافة الثقافية؟

ارتباك التلقي لموضوع درويش عند الجماهير أو القراء، يرتبط حقيقة بارتباك تلقيه من خلال الوسيط الناقل أو الصحافة الثقافية المصرية والعربية، خاصة وأن الصحافة المصرية كونت وعيا أيديولوجيا مباشرا أو غير مباشر، نتيجة لتداخل الطبقة السياسية مع الطبقة الصحفية والمشهد الإبداعي في مدينة القاهرة تحديدا، بما أنتج عندنا بعض التيارت الأدبية والصحفية التي هي مجرد رد فعل -وعت أو لم تعْ- لسياقات أيديولوجية وثقافية محلية أو إقليمية أو دولية، ودعينا نتحدث هنا بوضوح عن بعض "التجمعات الشللية" التي ارتبطت بقصيدة النثر تحديدا كآخر "الأنماط الرائجة" في المشهد الشعري، حيث ظنوا أنها معركة أيديولوجية بديلة عن الأيديولوجيا الأم التي انهارت خارج مصر (الاتحاد السوفيتي)، وأعلنوا حربا متخيلة حتى في نهاية العقد الثاني من القرن الجديد، وترى أحدهم متشنجا في ندوة ما يعلن أن قصيدة النثر تواجه حربا شعواء، دون أن يلتفت لأنها أصبحت "نمطا سائدا" وان الساحة الآن مفتوحة للجميع، لكن الإبداع يتطلب سلاما نفسيا وصفاء معرفيا وتصالحا مع الذات ربما يفتقده البعض، ولا يستطيع أن يحقق وجودا ذاتيا مستقلا سوى عن طريق اختراع معركة دون كيشوتية ما!

تتحدث عن الشللية في الوسط الأدبي ونمطية قصيدة النثر المصرية وأنساقها الثقافية، وأنت شاعر تسعيني ويحسبك البعض على قصيدة النثر ذاتها؟

أنا شاعر لي خصوصيتي ونصي الشعري الذي كسر نمطية قصيدة النثر مبكرا، وخضت المعارك الكثيرة ولكنني حينما وعيت مبكرا لآليات "صنع النمط" و"التنخيب الزائف" في المشهد المصري، وآليات التشويه والاستقطاب، وضعت جهدي في دراساتي البحثية والأكاديمية، وقدمت نموذجا لمسار علمي يقوم على "دراسة الحالة" وبناء "النماذج المعرفية" ووضع "السيناريوهات الاستشرافية"، والربط بين علم الاجتماع وعلم النفس والمناهج الأدبية، وطورت عدة مقولات وآليات معرفية خاصة بي.

على مستوى النقد الأدبي العربي قدمت عدة دراسات ومقالات كاشفة، منها بحثا أثار ضجة في مؤتمر أدباء مصر لعام 2017 بعنوان: "مستقبل الشعر: أزمة قصيدة النثر والجماعة المصرية"، قدمت فيه قراءة تاريخية وثقافية مقارنة واستشرفت فيه بعض المسارات للمستقبل في حالة تراجع آليات "صنع النمط" و"التنخيب الزائف"، أما في حالة استمرار تلك الآليات فسنظل أصواتا فردية تغرد بشعرها وخطابها المعرفي والثقافي خارج السرب..

وإن كنت أعتقد أن اللحظة الحضارية الراهنة حرجة للغاية، وأن الخطاب الثقافي والطبقة التي سُكنت عليه ستواجه معضلة العجز، أعتقد أن الطبقة الثقافية تلك واجهت خطرا وجوديا مرتين، مرة مع ثورة 25 يناير التي كانت ثورة على الخطاب الناعم للنظام السائد وقتها، قبل أن تكون ثورة على تمثلاته المادية أو الخشنة، والمرة الثانية حاليا مع جائحة كورونا، حيث مجددا ثبت عجز هذا الخطاب عن تلبية حاجات الناس واستشراف مسارات المستقبل، في لحظة الأزمة أو لحظة تجاوز أثر التنميط وصناعة "التنخيب الزائف".

هل تفرقت دماء محمود درويش إذن بين القبائل، ما بين سياقات إنتاج الخطاب النقدي عند بعض الباحثين والدارسين، وسياقات تلقي الخطاب النقدي عند بعض العاملين بالصحافة الثقافية؟

 ربما بالفعل نتيجة للارتباك في الإنتاج والتلقي تفرق دم درويش بين القبائل، البعض يظن درويش بطلا قوميا ويجهل خلفيته الماركسية العمالية، والبعض يظنه أيقونة ماركسية أيديولوجية دون أن يعرف بأثر اليسار الماركسي الصهيوني وأيديولوجية الصهيونية الماركسية عليه، والبعض يعتبره رمزا أدبيا متعاليا (بالمفهوم الوجودي الفلسفي للتعالي) يتجاوز التصنيقات، والبعض يتماهي مع درويش وأشعاره ومقولاته المشهورة كنموذج فني لا أكثر. لكن درويش هو حالة إنسانية متداخلة ومركبة، لا يمكنك فهمها إلا إذا وعيت لسياقه الثقافي الظاهر والمضمر معا، لكن المداخل الشكلانية والعتبات الظاهرية ستسبب فقط في المزيد من الارتباك في الإنتاج والتلقي..

من ناحية أخري أرى أننا نصنع آلهتنا المتوهمة بأيدينا، وأن الفكر العربي النخبوي يكاد يكون أقرب للفكر الأسطوري/الخرافي بامتياز، يدعي معظمه العقلانية وغالبيته ليس لها منها شيء،  وعلى مستوى الأدب قد لا يدرك البعض المشحون بالحماسة أن جل الانتاج الأدبي والعربي منذ السبعينيات هو "أدب تابع"، يدور في طور تتبع أثر "المسألة الأوربية" وتمثلاتها الفكرية والأدبية،

ما رأيك في إشكالية التطبيع والموقف المعرفي منها ؟

حقيقة التطبيع كان خرافة، يحاول البعض إعادة إنتاجها رضوخا لصفقة القرن، وترويجا لما يظنون أنه سيكون نافعا من عوائد "التبعية"، والخضوع لـ"المسألة الأوربية" وهيمنتها في تمثلها الأمريكي، وآخر معاقلها الصامدة المتمثلة في المشروع الصهيوني في فلسطين، بعدما سقط في جنوب أفريقيا واستراليا وكل المستعمرات العنصرية الأوربية.

من جهة أخرى دعيني أكون صريحا؛ التطبيع هو خرافة روج لها البعض في التسعينيات، أثر تفكيك دولة العراق في حرب الخليج هناك بعد أن زينت أمريكا لصدام غزو الكويت، حيث ظهر مؤتمر شرم الشيخ للسلام ثم اتفاقية أوسلو ثم مشروع الشرق الأوسط الكبير وفكرة السلام مقابل الأرض، حيث تواكبا مع مشروع الشرق الأوسط الكبير والسلام مقابل الأرض، وظهور دولة فلسطينية، كانت الاستحقاقات تقول بتطبيع الوجود الصهيوني في المنطقة العربية ردا على ظهور دولة فلسطينية وانتهاء الصراع، وهو ما ظهر في مصر في عدة تمثلات، لكن المشروع برمته – على مستوى الدولة - مات بعد رفض الصهيونية مبدأ الأرض في مقابل السلام، واغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي تبنى المشروع..

المشكلة كلها في بعض دوائر وشبكات المصالح التي نشأت بشكل رسمي وغير رسمي في تلك الفترة، مصر الدولة بالفعل تجاوزت مشروع الشرق الأوسط، لكن بعض شبكات المصالح تلك سواء الثقافية أو الاقتصادية أو ربما السياسة، تمسكت بما حصلت عليه من مكتسبات برعاية مرحلية –آنذاك- للدولة، وظلت تزايد على مصالحها باسم أنها كانت تتحرك في التسعينات وفق توجه مؤسسي.

ما نصيحتك للباحثين الشباب في الدراسات العبرية الأكاديمية؟

الجيل الحالي من الباحثين الشباب رغم جهد الكثيرين منهم الذي يستوجب التشجيع، إلا أن موقف بعضهم المعرفي والثقافي على قلق بعض الشيء، لم يتتلمذ معظم هذا الجيل مباشرة على يد الباحثين الكبار المشهورين، مثل حسن ظاظا، أو رشاد الشامي، أو عبد الوهاب المسيري، ولم يهتموا ربما بأسماء أقل شهرة مثل محمد عبد المجيد بحر، محمد خليفة حسن، عوني عبد الرؤوف، شعبان سلام. هذا الجيل منه من تربى على مقولات نمطية أو مشهورة رددتها بعض الأسماء التي تعاملت مع الدراسات العبرية كرافد معرفي ثانوي، أقصد بوصفها مادة خام للترجمة، وليست مجالا خصبا للدراسة والبحث واستشراف المستقبل!

وأضع خطا سميكا تحت كلمة استشراف المستقبل تلك، هذه الأسماء التي كان لها الأثر الأبرز في بعض الباحثين الشباب، بلبلت التصور المعرفي لديهم بعض الشيء، ومقولاتهم البحثية كانت شديدة الارتباك وورث البعض هذا الارتباك، مرة ينظرون للدراسات العبرية بوصفها تتم بمعزل عن سياق إنتاجها الثقافي، ويعتبرونها مجرد بحوث شكلية ووصفية ظاهرية وانطباعية، وتارة إذا تبدل الظرف السياسي يعلنون الحرب ويشهرون السيوف ويبحثون في الأنساق الثقافية للخطاب العبري، وكان موقفهم شديد الحرج من بعض الدراسات النوعية التي قدمها الباحثين من جيل الوسط، حيث رفض بعضهم قبول القدرات البحثية لهذا الجيل، وأخذ يروج لمقولات شكلانية وظاهراتية تبناها شباب الباحثين الصغار وأثرت على وعيهم، باعتبار تناول مضامين الأدب نوعا من الأيديولوجيا!

حقيقة أرى أن الدراسات العبرية يجب أن تلتحم أكثر بالدراسات الثقافية والحضارية والمستقبلية والمعرفية، ويجب أن يسعى الباحثين الشباب لتجاوز مقولات البين بين، لكن في الوقت نفسه امتلاك مهارة الباحث في الدراسات البينية وتعميق الفهم الأكاديمي المقارن للغة العبرية ذاتها في علاقتها باللغة العربية.

ما جديدك بعد عدة دراسات متنوعة حصلت بعضها على الجوائز، ونالت الاستحسان العربي والمتابعة الأكاديمية الدولية ؟

أعمل مؤخرا على مشروع لدراسة خطاب الاستلاب العربي للآخر، صدر منه بحث وفي الطريق بحث آخر وأعمل على واحد جديد الآن، وهناك مشروعين في الدراسات العبرية لتناول الصورة غير النمطية للعربي مصحوبة بترجمات شعرية، كما أنني مهتم حاليا بموضوع السياسات الثقافية، وكذلك تجليات "ما بعد المسألة الأوربية" وجائحة كورونا، وعلى المستوى الإبداعي أجهز ديوانا جديدا أعتقد انه سيكون إضافة مغايرة بعد ديواني الأول "الطازجون مهما حدث"، والديوان بعنوان "نساء الممالك البعيدة".

 

أخبار اخرى فى القسم