السبت 26 سبتمبر 2020 - 10:07 صباحاً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 

الرئيسية عالم المرأة د زينب العسال تكتب عن ..الدرويشة.. وتجليات الصوفية

 

 
 

د زينب العسال تكتب عن ..الدرويشة.. وتجليات الصوفية

  الجمعة 21 أغسطس 2020 02:11 صباحاً   




  صفاء النجار تستهويها كتابة القصة القصيرة، كانت بشارتها الإبداعية الأولى فى هذا الجنس السردى، فصدرت أولى مجموعاتها " البنت التى سرقت طول أخيها" لتعلن فى ثقة عن ميلاد كاتبة تعرف خفايا فن السرد، وكيفية تطوع هذا الفن لتكون قصصها ذات مذاق خاص بها  ، النجار متفردة فى اختيار عالمها القصصى، تكتب على مهل، ولا تتسرع فى نشر ما تكتبه، ولعل الكم الإبداعى الذى أنجزته، هو الأقل بين أبناء جيلها، فقد صدر لها روايتان " استقالة ملك الموت"  عن دار شرقيات 2005، و" حسن الختام"  2014، وثلاث مجموعات قصصية هى "البنت التى سرقت طول أخيها" عن دار ميريت، و" الحور العين تفصص البسلة" عن دار روافد، 2017 ومؤخرًا صدر لها " الدرويشة" عن منشورات بتانة2020 .

 بنظرة أولى لهذا المنجز، نجد أن الحالة المزاجية والإبداعية تسود القصة، علي الرغم من أن الكاتبة  صرحت - فى أكثر من حوار - بأنها تكتب وليس فى بالها، مسبقا، كتابة رواية أو قصة قصيرة أو سيرة أو أي صورة من صور الإبداع، ربما تفاجئنا بكتابة عدد من الروايات يضاف إلى منجزها الروائى، قضية المرأة تعد أحد شواغلها الابداعية منذ مجموعتها الأولى، وصولًا لآخر مجموعاتها، كما أن القضايا السياسية لا تغيب أبدًا عن قصصها، سواء تصريحًا أم تلميحًا، غير أن قصص " الدرويشة" تعالج، برهافة شديدة، قضايا سياسية آنية،  تبدو وكأنها فى خلفية الأحداث، فهى لا تريد أن تقدم للمتلقى وجبة مربكة، في الوقت ذاته تنهل من روافد متنوعة التنوع، ومدهشة، تثري بها طرائقها السردية، حيث تمتاح من الحكايات العربية والأساطير المصرية والشرقية، فإفادتها الذكية من الموروث السردى العربى - دون التقيد به حرفيًا - دلالة الاطلاع على موروثنا وتراثنا العربي، والتعامل معه بيقظة ووعي، ولا تغفل - في اللحظة نفسها - تلك المتغيرات المفروضة على الوعى الحادث بين أفراد المجتمع.

القصة عند  "صفاء  النجار" هى رؤية مكثفة, ومقطرة للعالم الذى نعيش فيه، تلعب صفاء على بنيات سردية متعددة، الحلم والحب والصوفية والموت والكابوس والوازع الدينى، أو ما يمكن أن نطلق عليه الضمير، إضافة إلى التداخل بين الواقع والمتخيل، وبالطبع القفز الرشيق والرهيف  بين الأزمنة، والمناجات والحوارات الحرة القادرة علي كشف دواخل الشخصيات .

 لا يمكن إغفال النزعة الصوفية، فالكاتبة تسعي إلى اختبار ما وقر فى القلب، واستقر فى الجوارح، النزعة الصوفية الباحثة عن اليقين، تظل  الشخصيات تكشف وتمحص، عبر الرؤي والمضامين والقيم، هى فى كل ذلك تثير لدى المتلقى الأسئلة التأملية التى تكثف من معنى الحياة، والمعاناة، والألم، والموت، المعانى البسيطة تلبس هنا ثوبًا أسطوريًا، العالم الصغير يتسع فيشكل كونًا تحلق فيه الشخصيات عبر أجنحة الخيال، ويصير الواقع خيالًا، ويتحول الخيال واقعًا قريبًا إلى المنال.

ماذا تريد " النجار" من هذا الحفر المتأنى، الدءوب، الناخر فى الروح، النازف لكل القوى، أن يفعل فينا؟، هل - كما قالت بعض شخصياتها - هو البحث عن الحقيقة, والحقيقة وحدها!، وهل الحقيقة لها وجه واحد فقط؟ أو أن لها وجوهًا متعددة، على الشخصيات أن تعبر عنها، أن تنتظر أشعة شمس يوم جديدًا، لعله يفصح عن زاوية من زوايا الحقيقة المتعددة؟.

هل أرادت صفاء النجار الأخذ بيد قارئها للوصول إلى الحقيقة؟

شفّت تلك الاشارات الصوفية، وما توحي به عناوين قصصها، بالارتقاء إلى مدارج من العلو، باحثة عن حرية الروح، وانطلاقها، وخلاصها من هذا الثقل الطينى، وصولًا للصفاء والشفافية، لذا كان أسلوبها السردى فى هذه المجموعة متخففًا من التراكيب البلاغية الغامضة التى لمستها فى مجموعتها السابقة " الحور العين تفصص البسلة"، ثمة نصوص مسالمة، وديعة، تذوب عذوبة ورقة، لا تتقيد بالمنجز البلاغى المعروف لدى كتابة صفاء النجار، والذى يقارب حد الغموض، إن لم  تتورط بعض قصصها فيه.

الإيقاع نغمى، ينسجم مع المتلقى لكنه - أبدًا - لا ينفى الجهد الكبير المبذول فى تقديم رؤية مغايرة. إن ذكاء المبدعة يتخطى كل المعالجات السابقة لحكاية سندريلا التى حفظناها عن ظهر قلب، " سندريلا " النجار، مشاكسة، لها رؤية سياسية مغايرة لما اعتادت الحكايات تأطيرها داخلها، إنها فتاة تكتشف الثغرات والأخطاء فى النظام الملكى، وتحاول تطبيق نظام أقرب إلى النظام الاشتراكى، باحثة عن عدالة تعطى الفقراء بعض حقوقهم ، فتاة تعيش داخل القصر تنتظر اقترانها بالأمير، كما تقول الحكايات السابقة، لكنها لا ترضى بالظلم الواقع على بنات جنسها، وهى الفتاة التى تسلحت بحكمة الأيام، فلديها خبرات حياتيه، لم تتأثر بظلم زوجة أبيها، وأشفقت على أختيها العاطلتين من أى خبرة حياتية، لم تتحدث القصةعن جمالها، لكنها تحدثت عن ذكائها وفكرها المتقد، وإيمانها بحرية الإنسان .

سندريلا " النجار" كشفت أننا لم نسأل أنفسنا عن اسم أمير الحكاية، الذى ظل مجهولًا. إنه محط أنطار الفتيات، كلهن يحلمن بالاقتران به، نظرة واحدة منه تغير حياة الفتاة، إلا أن سندريلأ هنا تحاول جاهدة تغير نظامًا كان قائمًا.

 لن نتحدث عن العنوان - الدرويشة - فالحقيقة سوف تلاحقنا، وتنشر ظلالهاعلى غالبية قصص المجموعة، لكن الكاتبة لا تتركنا ننساق إلى فكرة الصوفية الصافية، فهى رفاهية لا أعتقد أن صفاء النجار تمنحها لقارئها، إنها تربط السرد بهذا الواقع، عبر مشهد أو عبارة، ترهص بأسقاط سياسى اجتماعى يعيدنا إلى الواقع.

فى الجزء الثانى من المجموعة تطالعنا متوالية قصصية، من حيث الجو العام والبنى الرئيسية للقصص، والشخصيات التى تتكرر مثل الابنة والجدة والأخت المريضة، تلمح تلك النغمة الصوفية حيث يترك الصوفى العالم الزائف بحثًا عن الحقيقة.

 أطول قصص المجموعة" الدرويشة والمريد" أقرب إلى الرواية، فهي تتحدث عن عوالم تمزج بين الواقع والخيال وما وراء الواقع ، إرهاصات لما سيحدث، تصور للحياة فى الجنة، إنه تصور غير نمطى، وإن اتخذ بعض عناصره من الموروث الدينى، تواصل الأموات بالأحياء، عالم يلفه الوجع من الفراق والرضا بما قسمه الله، والطمأنينة بأن ثمة صلة بين الأم المكلومة فى ابنتها، وتركها لجزء من وجودها في ابنها الصغير،على الجدة أن تقوم بدور الأم، المشاعر المتصلة بين الابنة والأم، يصير الطفل هو مركز السرد بحركاته ونزقه، تتبعه الجدة العالم متغير وشخصيات تصير رموزًا، هذه ترتدى بالطو أبيض، إذن هى طبيبة. صحيح أنها تشبه ابنته, لكنها ليست متأكدة: أين اختفى حفيدها؟ طريقها يغلفه الضباب أو السحب تخفى كثيرًا من معالم الأشياء، تلمس جزع شجرة، فيتحرك، وينفتح عن مساحة شاسعة من الخضرة تنيرها شمس حانية، المكان ملىء بالنساء "

لقد وصلت إلى هذا المكان مثقلة بحكايات ومواقف وأشخاص، طلب منها أن تتخلص منها، فالدرويش عليه أن يتخلص من كل مايثقل نفسه من زيف وأطماع في الحياة وزخرفها والاتجاه إلى العالم الحقيقى، عالم محبة الله، والتفانى فى طاعته، كل قصة من قصص المجموعة تتكامل مع سابقتها وتلتحم ببنية لاحقتها، ومن ثم يمكننا القول إن المجموعة تلتحم مع بنية المتتاالية القصصية، وهذا ما جعل" النجار" تقسم مجموعتها إلى ثلاثة أقسام. تحتل قصة "يوميات السندريلا فى القصر" - بمفردها - قسمًا مستقلًا فبرغم أن القصة تبدو  بعيدة عن لحمة البنى القصصية للقصص الأخرى، إلا أنها تتفق فى عدة أمور، أبرزها إطلاق التساؤلات الوجودية التى تربط الإنسان بما يدور حوله، فالإنسان كائن اجتماعى، لا تكتمل إنسانيته إلا بدوره فى المجتمع، وتتفق السندريلا - بملامحها النفسية - مع بعض شخصيات قصص المجموعة، مثل ساردة قصة " الحلم الذى لن أرويه لجدتى" وساردة قصة " أنا كاتبة لأنى أشبه أبى".

لا يمكن اغفال الحديث عن رافد سخى يروى القسمين الآخرين من المجموعة: سنوات الظل والتيه، وورم مشاكس يؤنس وحدتى.

المدهش هو كيفية تناول السيرة الذاتية، والأحداث التي مرت بها الكاتبة، المسألة هنا ليست تسجيل الأحداث، وتذكرها، وروايتها على المتلقى، ولكن: كيف يشتق من هذه الوقائع والأحداث ما يعبر عن الحالة الصوفية، مصادقة الألم، والبحث عن أنجح الطرق للتغلب عليه، تقوية النفس والوجدان بشحنات من الإيمان الصوفى، الواعى بضرورة البحث عن طرق نجاة النفس من الوقوع فى براثن اليأس والاستسلام، حتى عندما تستسلم النفس يكون استسلامًا غير مجانى، فهو يعطى الدلالة والعبرة ويبرز المفارقة بالعودة للطفولة، والاستقواء بروح البراءة، والتنقل - بحرية - بين الماضى والحاضر، والبحث عن مستقبل متخيل، هو أمنية بعيدة، إن لم تكن مستحيلة المنال، وإن لعب كل من الحلم، والكابوس وتداخلهما، والفانتازيا، والمناجاة دورًا يغير من المفهوم التقليدى للسيرة الذاتية.

فى الجزء الثالث" ورم مشاكس يؤنس وحدتى" يبرز دور الدرويشة فى طرح رؤيتها عن الحياة  والموت والصحة والألم، عبر تقسيم الصوت إلى صوت وصدى، يتبادلان مواقعهما، فيما يشبه الكونشيرتو الموسيقى. هل يكفى أن نرفض المرض؟ وهل لا بدا أن نصادق الألم، كى نتجب عنفه وعقابه، والبحث عن طرق التغلب عليه، موقف الألم من أجسادنا وأرواحنا المرهقة الواهنة؟ 

" ليس للألم بوق يعلن عن نفسه قبل مقدمه، ليس للألم نفير، عندما تظهر راياته تكون المعركة قائمة بالفعل، لكن الألم يصر على أنه رسول، وعليك أن تكرم وفادته، يمنعك الألم - بانشغالك بطلباته الملحة - أن تخطط لاستراتيجية المواجهة" إن الألم يقتات على الروح، وعلى الدرويشة البحث عن صفاء الروح، وهدوئها فى فوضى الجسد، وما يسببه الألم من معاناة لملمة الروح أشلاء جسدها، كيف تبتعث الراحة والهدوء من صراخ روح ونواحها؟

من عتمة الألم تبحث " صفاء النجار" عن ضوء الأمل الهارب، ماذا عن الجمال الذى يمتصه الألم؟ ، وهل يمتص الألم الجمال؟  

يتولد الابداع من الألم، القصص مترعة بالمشاهد السنيمائية، وبالحركة السريعة والإضاءة والظلال والعتمة، وتضخيم صور الألم، والرصد الدقيق لحركة المرض داخل الجسد .

ثمة نظرة فلسفية صوفية تعالج الألم، تجده الفنانة وسيلة لصفاء الروح، لم تستسلم الروح أو تنهزم " في مرقدي، وبينما أروض ألمي، يأخذني السير لأماكن بعيدة لم تطأها قدماي.. عندما أسترد عافيتي سأسافر لكوكب عطارد، لن أغيب كثيرًا ، " صار يتم ببساطة أويسر، كل حركة شهيق وزفير تحتاج لمواءمة وضبط، رفة جفنى: عملية ميكانيكية وعضلية وعصبية معقدة".

 هل كانت الدرويشة سلالة سيدات درويشات، اصطفاهن  المرض والألم؟

هل كتب على الدرويشة أن تكتب عن من أحبهن الموت، فتركن لنا سيرة تعتصر ألمًا، وذكريات تحولت إلى صور محاطة بأشرطة سوداء، معلقة على جدار الذاكرة.

 

أخبار اخرى فى القسم