السبت 28 نوفمبر 2020 - 10:29 صباحاً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 

الرئيسية مكتبتى الشاعر التونسي عمر دغرير يكتب عن : لذة النص ودهشته .. عند الشاعر كمال العيادي

 

 كتاب في أسبوع " أغادركم ومعنوياتي مرتفعة"
 

الشاعر التونسي عمر دغرير يكتب عن : لذة النص ودهشته .. عند الشاعر كمال العيادي

  الجمعة 23 أكتوبر 2020 09:42 صباحاً   




الثابت والمعروف أن الروح المعنوية الإيجابيّة تلعب دوراً مهماً وأساسيّاً في نجاح الإنسان وقدرته على التعايش في الحياة براحةٍ ونجاح . والأكيد أن من يريد أن يكون شخصا له شأن كبير في المجتمع عليه أن يحافظ على روحه المعنويّة مرتفعةً طول حياته .وقد يحيلني الحديث في هذا الموضوع إلى الكاتب الشاعر كمال العيادي الكينغ الذي خص واحدة من أهم مجموعاته الشعرية بعنوان فيه من المفارقة ما يجعل المعنويات مرتفعة للقارئ وللممحون بالشعروالشعراء في هذا الزمن الفاقد لكل المشاعر والأحاسيس. (أغادركم ومعنوياتي مرتفعة) مجموعة شعرية للشاعر كمال العيادي . صدرت عن دارالبدوي للنشر سنة 2014 . والسؤال الذي استفزني قبل قراءة المجموعة وقد يستفزكم أيضا : كيف لهذا الشاعرأن يغادرنا وكل معنوياته مرتفعة ؟ فهل يعني هذا أنه يغادرنا وهو مطمئن علينا .وعلى هذا الأساس كانت معنوياته مرتفعة ؟ أم أنه يغادرنا وهو غير راض علينا ورغم ذلك قد تكون معنوياته من حديد ولن تتأثر بهذه المغادرة أو هذا الفراق ؟ وهنا تكمن روعة المفارقة التي في اعتقادي تتجاوز الفطنة وشد الإنتباه إلى خلق التوتر الدلالي لا في العنوان فحسب وإنما في المجموعة كلها. ويحصل هذا التوتر عبر التضاد في الأشياء (مغادرة / معنويات مرتفعة ) وهو لا يأتي فقط من خلال الكلمات المثيرة والمروعة في السياق بل عبر براعة في توظيف مفردات اللغة العادية واليومية داخل النص وفضاءاته البعيدة. والشاعر كمال العيادي بدا رغم التعب الذي يخفيه خلف هذه الإبتسامة في صورة الغلاف وفيا للأماكن القريبة والبعيدة التي شدته وللأصدقاء الأموات والأحياء الذين أحبهم. كما بدا قلقا يلهث خلف البحث عن كمال العيادي الإنسان وعن الفتى القيرواني الذي سرقوا منه طفولته وهو يريد استرجاعها باختزل الزمان والمكان في مجموعة من الكلمات تفوق الكلمات . ومن البداية أقرّ كمال العيادي أنه لا يخاف الموت بقدر ما يخاف من الطريقة التي قد يموت بها الإنسان فنجده كتب في الإهداء وهو يرثي صديقه الذي مات موتة مريبة يرثيه ويعاتبه في آن فيقول : (... إلى صديقي الشاعر صلاح الدين ساسي بعد العتاب الذي لابدّ منه ... وبعد ربع قرن من موته الأخرق ... مشدودا إلى أنشوطة ... بمدرسة لاماء ولا ضوء فيها ...) هكذا اختزل مرثيته لصديقه الذي مات منذ زمن بعيد في كلمات قليلة أوصلتنا إلى حقيقة موجعة وهي أنه مات منتحرا وفي نفس الوقت قربتنا من لذة النص ودهشته الممتعة . والمتابع لهذه الأشعار يكتشف كيف ازدحمت الأمكنة في ذاكرة الشاعر الذي لم يهمل تفاصيلها والجزئيات في رحلة التعب التي لا تنتهي . وكانت المواني بسفنها ونوارسها وبحّارتها . وكان الوطن بكل من فيه وكانت الغابة السوداء ونباح كلب كافكا . وكانت الأنهارالقريبة والبعيدة والممتدة في الوطن الكبير .وكانت المدينة بكل مفاتيحها . في غربته خارج حدود هذا البلد الذي لا يرى منه غير شاهدة القبر وسطرين من الشعر يطلب الشاعر من وطنه المقدس باختصار شديد أن يفك قيوده ويطلق سراحه كي يعود إليه بنفس المعنويات المرتفعة التي غادره بها.وتعود به الذاكرة إلى المواني التي كثيرا ما يُسأل عنها فيقول في صفحة 11 : (...تسألني عن المواني وكأنك لا تعرف لماذا تعود السفن دائما حين يعرض عنها البحر وتخونها الريح ؟... تسألني عن المواني وكأنك لا تعرف أنها ليست هي العناوين كما يروج الشعراء والبوليس ؟... السرّ ببساطة أن السفن القديمة تحنّ إلى أمهاتها الأشجار ...). وكأنه يريد أن يذكرنا بأن السفن المصنوعة من خشب مهما ابتعدت في البحر فإنها تحن إلى أصلها وتشتاق إلى أمها الشجرة . وهذا يعني أنه شاعر إنسان بلحمه ودمه وكتلة من مشاعر وأحاسيس وليس من خشب مثل السفن . وهو أيضا مهما تغرب في البلدان وسافرعبر المواني فإنه يحن إلى وطنه الأم وفي شوق إلى مسقط رأسه والأرض التي أينع في أحضانها . وعن النوارس التي تكاد تشبهه تماما ويصفها بوردة المواني العامرة والمهجورة ويعترف بأنها مثله يحبها البحارة وعمال النظافة والأطفال والأمهات والعجائز وباعة الخضارعند الرصيف وكل الفقراء. ويقرّ بأن كل هؤلاء يسمون هذا الطائر النورس الشقي حينا وحينا حمام البحرالوديع وبشرى الرب للتائهين . والأكيد أن هذه الغربة التي أظنها طالت سببت له الأرق والأحزان وهو الذي دأب على إخفاء شجنه العميق خلف هدوء وصفاء كثيرا ما يتصنعه أمام كل من يراه أو يلتقي به . ولكنه في الحقيقة حين يضع رأسه على "المخدة الريش" كل ليلة في تلك الغابة السوداء تقدح الوحوش بحوافرها أطراف ملحفة الحريرالتي يتدثر بها . وتئن خيوله الحزينة من شدة الحنين إلى هذا الوطن الذي يسكنه . حتى أنه كتب يقول في صفحة 22 : (... اواااه ... ما أثقل الريش أحيانا ... وما أغلظ وما أقسى خيوط الحرير ...). وعن الغابة السوداء يقول كمال العيادي : (... ومالي أنا ؟ حتى أستنبح كلب كافكا وأنا أعلم مسبقا بأنه سيقودني حتما صوب الغابة السوداء حيث لا خيار آخر غيرهما : إما الوحدة وإما المرارة ...). وكما يقول المثل : (في الهم ما عندك ما تختار) ورغم هذه الوحدة وهذه المرارة وهذه الغربة تعود به الذاكرة إلى سنوات الطفولة ليتذكر أباه في قصيدة ( مرثية القمر الأخير ) الذي خرج للصيد ولم يرجع . ويتذكر أن هناك بعيدا عند أسفل جبل الكلس المحروق ذلك الذئب الجريح الذي يجاهد لرفع رأسه بدون جدوى . ويتذكر أيضا ما كانت تقوله له أمه حين تقرأ في عينيه لماذا لم يعد أباه من الصيد : (... بئس الذئاب بلا أباء ...). وهذا يؤكد بالفعل أنه هو نفسه هذا الذئب الجريح الذي أهمل حساب مواعيد القمر وأغمض عينيه علّ والده يأتي ولكنه تعب من الإنتظار حتى نام ولم يأت أباه . ومع حنينه إلى والده يتضاعف حنينه إلى القيروان فيقول في صفحة 58 : (...أدسّ رأسي كمالك الحزين تسوطه الريح هذا الثلج غريمي والقيروان التي تقايض أسوارها بغبارالغرباء ... بين المخدة والمنام أهرب لحين منها ... منشغل بهمومي عنها أقاتل أساطين جسدها ... أجندل جنودا وأبطالا مفتولة من جدائل ضفائرها ... ولكنني كعادتي أنتهي مثخنا بالجراح أسيرا لديها ...). والملاحظ أن هذه الغربة وهذا الشجن جعلا منه إنسانا فوق معضلاته وهمومه العصية في الكون بحيث تكونت له من خلالها حرية التجاوز وعمق الإبداع خاصة في بناء النص الشعري فكانت الصورة الشعرية وكان التناص والتكرار في كامل المجموعة . وفي المجموعة نكتشف كمال العيادي العاشق الولهان في صورة المناضل السياسي اليساري الذي بات يخاف من اليمين حتى أنه يختزل في كلمات قليلة ما آلت إليه البلاد بعد هيمنة اليمين حتى أنه قال في صفحة 72 : ( ...أنظر يمينك مثلا أليس من الأجدر تأديب هذا الورد الخائن وقلع تلك الأشجار المريبة كلها أتنتظر أن نباغت من جديد بأنشوطة وغصن متين ...). ولعل مثله لا يعرف اليأس والإستسلام بل سيظل يعشق هذه الحبيبة الفريدة حد الموت وهي التي كانت حين تغني يلتزم كل سكان جسده الصمت . وهو الذي تعود على أن يهمل وجهه في ضفائرها ويحلم كما يشتهي أن يحلم . بينما هي لفرط الشوق لا تسأله عن ريح الخريف على جسده .وتبقى تستمع إليه وهو يغني : (... أموت قليلا قليلا أموت على صدرها ... فتمتص ريقي الأسود هذا بخجل الرمان وعنب الخليل ثم تبلل وجهها ...). وفي نفس اللحظة أو تكاد تسمعه الحبيبة يدعوا الجميع إلى الإصطفاف قصد عقابه لأنه لا يريد أن يسمع صوت نشيجها وهو يسوطه من بعيد فيقول : (... يا طيور النورس وأنت أيها الجبل القديم ... أيتها الريح ... يا سور القيروان الغربي والشرقي ... يا شجرة الخروب المتفخذة قبر جدي بمقبرة الجناح الأبيض ... يا من أعرف ولا أعرف ... يا من غاب عني إسمه ... يا من لفظني ... يا من يغفر من أضدادي ... اصطفّوا ... اصطفّوا الآن لعقابي ... أدخلوا جسدي من كل صوب ... شوّشوا روحي ... أشغلوني الآن ... أشغلوني الآن عنها ... أثقلوا سمعي ... أثقلوا قلبي وذاكرتي بهموم أخرى حتى لا أسمع صوت نشيجها يسوّطني من بعيد ...). ولأن ذاكرته لا تهمل كل شيء فقد أعادته إلى تلك المدينة الصفراء الغائرة في الغبار ورطوبة التاريخ فقال وهو يكشف عن كل أحماله : (...هذا كل شيء فما جدوى أن تبكي وأنت وحيد في هذا الزحام أيها المجنون ؟... للذكر فقط ... وليس للإستعمال ... ولك أن توصي بحرق ما تبقى من الأعضاء ... ثمّ ذر رمادها فوق دجلة والفرات ... فلنهر مجردة والجباس من يحميهما بالتأكيد ... وللنيل ... للنيل المسكون ما يكفيه من هموم ... يا كم للنيل المأمور من أحزان دفينة ...). ومرة أخرى لا تخونه الذاكرة فيعود إلى ماضيه البعيد بل إلى طفولته المخطوفة وبالتحديد إلى امه أميرة أحلامه التي لم تعد تزوره في المنام كما كانت تجيء وهي مسكونة بالشوق فتتلمس كفه ووجهه ثم تقبله فيضحك في المنام . يقول عن أمه في صفحة 117 : (...كنت أدفن وجهي في دفء نهديها و أغيب ...). وعن حبيبته الأخرى مدينة القيروان يقول بكل انتشاء : (... ليس لحبيبتي شفتان ... ليس لحبيبتي نهدان ... ليس لحبيبتي من بيض الشمع ساقان ... لحبيبتي وجع ... ولها سور وصومعتان ...). وبكل هذا الإختزال المثير للدهشة وبهذه الكلمات القليلة والعميقة في ذات الوقت يصف الشاعر قيروانه ويقدمها لنا بشكل بديع رغم الوجع الذي يخفيه والمرارة التي تلازمه في غربته .ورغم كل ذلك فمعنويات الشاعر مرتفعة ومرتفعة جدا . وللإشارة فإن كل قصائد المجموعة جاءت موزعة في الزمان والمكان .وقد تعمد الشاعر تحديد تواريخها التي ذيل بها كل نص حتى يشعرنا بأنها كتبت على مدى العديد من السنوات أنطلاقا من سنة 1982 إلى حدود سنة 2014 . وبالإضافة إلى التواريخ فقد تعمد كمال العيادي ذكر المدن والأماكن التي كتب فيها قصائده ليطلعنا على عدم استقراره في مكان واحد وأنه تنقل كثيرا من بلد إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى . وزار كل العالم بحيث ذكر تونس والقيروان والإسكندرية والقاهرة وميونيخ وباريس وموسكو ولندن وفيينا . والثابت أن للشاعر ذكريات جميلة وموجعة في آن وهو الذي جاب البلاد شرقا وغربا بحثا عن الذات المبدعة فيه . وهذه الأخيرة مكنته من نحت لوحات رائعة فقط بأقل الكلمات ولعلها أجمل الكلمات .

 

أخبار اخرى فى القسم