الاثنين 10 مايو 2021 - 09:19 صباحاً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 

الرئيسية ابداع الإذاعية مني رمضان : تكتب عن" الخطاب القصصي" عند علاء سعيد

 

 
 

الإذاعية مني رمضان : تكتب عن" الخطاب القصصي" عند علاء سعيد

  الثلاثاء 23 مارس 2021 11:29 مساءً   




دخلت القصة العربية وبالتحديد القصة في مصر  مرحلة القصة الحداثية عن طريق المثاقفة السردية وامتلاك الوعي التاريخي لتحقيق المعادلة الصعبة بين الفن والبعدين المحلي والعالمي في تقديم نماذج فنية على مستوى من الخصوصية والتميز والتأثير ، لتحكي بحس انساني عالي عن نوازع الذات ولوعتها ، وتوقها للحياة ومعانقتها للحرية عبر اساليب سردية حداثية منفتحة على الحساسيات الجديدة للسرد العالمي وتقنياته الفنية ،ومن هؤلاء القصاصين القاص المبدع (علاء سعيد)، اذ تشير المجموعة القصصية (صفقة على شرف امراة) والصادرة عن دار الاديب للقاص علاء سعيد قضيتين مهمتين على المستوى الفني : الاولى : تتصل باستحضار المادة التاريخية في الخطاب القصصي عامة والنص السردي موضوع الدرارسة على نحو خاص.

اما الثانية : فتتصل باستعمال اللغة الشعرية في الخطاب القصصي ، وعلى الرغم من انه لا يمكننا عد هذه المجموعة (صفقة على شرف امرأة) تاريخية بالمعنى الدقيق لهذا الجنس السردي ، فان اتكاء عالمها على وقائع التاريخ العالمي والعربي وبروز سير بعض الشخصيات كفيل بدفعنا الى القاء الضوء على هذا اللون من التوظيف الفني.

اذ يمكن القول بان مايمنح الخطاب القصصي هويته هو انحيازه للوظيفة الجمالية وسعيه الى تكريسها بعيدا عن الحرص فيما بين المادة السردية المتخيلة ومرجعيتها الواقعية (التاريخية) على حد قول الناقد عبد الفتاح الجعمري ، والحق ان مجرد دخول المادة التاريخية نسيج الخطاب السردي كفيل بان ينتقل بها من منطقة (الواقع) الى منطقة (التخييل)، اي من شكلها المرجعي الخام الى شكلها التمثيلي الدرامي  لتشكل عبر فضائها الجديد ابعادا مغايرة تمنحها اياه الوظيفة التخييلية ،وهو امر يستلزم منا النظر الى هذه الوظيفة بوصفها جانب فني مهم.

فلم يلجأ القاص علاء سعيد الى التاريخ بهدف توثيقه فحسب ، بل لجأ اليه لاعادة تفسير احداثه بعيدا عن الروايات الرسمية للتاريخ ولاسيما في قصة (ملك امريكا) وهو يتحدث عن ذلك الصراع القائم انذاك بين البشر السود والبيض وما آلت اليه الاحداث بعين السارد الفاهم المتبصر للحدث التاريخي عبر شخصيات وظفها لهذا الغرض وعبر رحلة شاقة في مجاهل افريقيا لشاب افريقي وسط كومة من الاحداث والصراعات ، وبهذا فقد كانت الغاية من استعمال هذا النوع من السرد عند قاصنا المبدع ومن استحضار التاريخ هو اثارة الاسئلة حوله اكثر من تقديم اجوبة جاهزة عنه ، وربما لجأ الى التاريخ لجعلنا نعيش مجددا بعض احداثه الدالة الكبرى باستنطاق احداث الماضي المسكوت عنه لما وقع من احداث دراماتيكية كبرى.

وعليه فان حضور التاريخ في الخطاب القصصي لايقف عند حدود كونه مسرحا للاحداث ، فقد يكون قناعا تارة ،وكناية تارة اخرى او تميزا ، عبر اسلوب خاص استعمله علاء سعيد لخلق حالة من التأثير المتبادل بين النص الاصلي والنص المتحاور من جهة وبين القارئ من جهة اخرى وهذا ما نجده في قصة (الاسد الهارب) والتي تشكل هذه القصة هروب الاسد من السيرك دلالة واضحة على الاحداث الدراماتيكية التي يشهدها المجتمع مما يجعله يعيد انتاج مفهومه الفني للواقع.

اما القضية الثانية المتعلقة باستعمال القاص علاء سعيد اللغة الشعرية في خطابه القصصي فانه كان على وعي بطبيعة اشتغاله الفني متمكنا من ادارته ، اذ جهد في الاستعمال دون ان يلحق ضررا بالنمو الفني للنسيج القصصي او يشكل عبئا يعيق من تطور الحدث ونموه داخل اي قصة من قصص المجموعة ، أذ تمحور معظم استعمال اللغة الشعرية حول وصف المكان ، وهو استعمال كشفت فيه لغة القاص عن استثمار لطاقة اللغة الشعرية بلغ اقصى مداه في وصف تفاصيل مشاهد الطبيعة والتعبير عن حسه الوجداني ازاءها ، اذ يقول في قصة (سارقة القلوب) : ((ترتدي جنان في الصباح الثوب الفستقي المطرز عند الصدر والمفتوح قليلا مع السلسلة الفضية الوحيدة لديها والمنقوش عليها لفظ الجلالة كانت قد اهدتها لها صديقة مقربة)) من هنا فقد كان التوظيف الفني للغة في القصة ممتلكا وظيفته الدلالية وبعده الايحائي ، لكن دقة القاص في التزام الوصف لم تمر دون الوقوف في مواضع محددة وقفة تشريحية بدت متتبعة للتفاصيل الدقيقة عبر اسلوب (عين الكاميرا)، اذ ينقلنا التوظيف الناجح للغة الى الاستلهام الذكي للموروث الشعبي وماتختزنه مخيلته من خبرات جسدت المظاهر المختلفة لحياة الناس وطرائق عيشهم وثقافتهم تجسيدا مفعما بالحياة حتى بدا وكأن القاص يحفر نقوشا في ذاكرتنا الجمعية.

لقد استطاع القاص المبدع علاء سعيد بمهارة تحقيق المعادلة السردية الصعبة باختيار لحظات تاريخية معينة ليسلط الضوء عليها عبر اكثر من منظور وعبر تقنية زمنية تتردد بين الحاضر والماضي سردا وارتدادا ليكشف عن دلالة الحدث وكأنه تأمل في مشاهد حية من الماضي وتاريخ المكان من دون احالة واضحة او اسقاط مباشر يجعل منها قناعا للحاضر ، فالقصص في هذه المجموعة نص سردي على جانب من الاحكام والكثيف الشعري وهو اضافة نوعية بين نصوص الخطاب القصصي الحداثي في المشهد السردي العربي.