الأحد 19 سبتمبر 2021 - 10:45 مساءً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 

الرئيسية ابداع د حسين حمودة عن أمينة رشيد: في لقائنا الأخير أيقنت أن ثمة حزن قادم عليها

 

 
 

د حسين حمودة عن أمينة رشيد: في لقائنا الأخير أيقنت أن ثمة حزن قادم عليها

  الأربعاء 08 سبتمبر 2021 12:33 مساءً    الكاتب : زينب عيسي




.. المرة الأخيرة التي التقيتها كانت في "دار الضيافة" بجامعة القاهرة.. كانت جالسة بسلام تنظر وتتأمل في أفق غامض بعيد.. قلت لنفسي بعد أن سلّمت عليها واستوعبت نظرتها: "يجب أن تدرّب نفسك تدريبا قاسيا على حزن قادم، ليس بعيدا تماما". .قبل هذه المرة مضى زمن طويل جدا، منذ اللقاءات الأولى التي جمعتنا. في تلك اللقاءات المبكرة البعيدة نبّهتني مرة، وعاتبتني غير مرة، عندما كنت أخاطبها: "يادكتورة أمينة". قالت لي، بتنويعات لطيفة مهذبة: "أنا أمينة.. ليه التكليف؟". هكذا كتب الدكتور الناقد حسين حمودة عن الكاتبة الراحلة أمينة رشيد متذكرا لقاءاتهما قائلا:خلال الزمن الطويل، الممتد لعقود، التقينا في جلسات طويلة وقصيرة، وفي أماكن عديدة جدا، وزارتني مرة مع زوجها الدكتور سيد البحراوي الذي جمعتني به مسيرة أطول، وزرتهما مرات ومرات.. تحاورنا وتناقشنا كثيرا جدا، اتفقنا واختلفنا واتفقنا واختلفنا كثيرا جدا. .لكن في عمق الحوارات والنقاشات ظلت المودة متصلة. من أوضح ما اتفقنا حوله، هي وأنا، تقدير عمل ميخائيل باختين، الناقد الروسي الذي انتبهت هي، وانتبهت أنا، إلى عمق تصوراته، وهالها وهالني ما تعرض له من تجاهل في سياق محموم، وممارسات تجاوزت حدود التجاهل. أكثر من مرة، في لقاءاتنا، كان صوتها ينمّ عن محبة وافتقاد عندما كانت تتحدث عن ابنها البعيد.. وأكثر من مرة، في مكالماتنا، كانت تقول لي إنها "مع سيد في البلد" (في قرية الدكتور سيد البحراوي بالمنوفية)، وصوتها في هذه المكالمات كان يأتيني محتشدا بنبرة سعادة، كأنها وجدت عالمها الحقيقي مع البسطاء هناك. عالمها الأول (وهي حفيدة إسماعيل صدقي باشا) كان يلوح نائيا وغائبا طوال مسيرة الزمن الذي قطعناه. مرة واحدة فقط كلمتني، من غير مناسبة ودون أن أسألها، عن جدّها الذي لا تخلو صورته التاريخية من وقائع مقرونة بقبضة حديدية... قالت لي إنها، رغم تلك الصورة، رأت فيه صورة أخرى لا تزال تذكرها، من معالمها أنه كان لطيفا مع أطفال العائلة، وأنه لبّى رغبتها واصطحبها مرة في نزهة بسيارة كي يفرّجها، على مهل، على شوارع القاهرة .. وتكتمل معالم هذه الصورة بالمرات التي كانت تراه فيها جالسا بوداعة يصغي إلى الموسيقى الكلاسيك التي كان يحبها.. أبتعد عن "الفيسبوك" منذ فترة كي أتجنب الأخبار المحزنة الجديدة. لكن رحيلها، بالنسبة لي، ليس خبرا فحسب.. وليس من "الفيسبوك" فحسب.. في وجودها كنت أجد نفسي مغمورا بهدوء دافئ ومهذب وودود، وفي رحيلها (الذي لم ينجح التدريب السابق في التخفيف من وطأته) أجد نفسي ساهما، مطلّا على فراغ الفقدان الذي يتزايد في السنوات الأخيرة.. ولعلي سوف ألوذ بابتسامتها، وبما أذكره من حواراتنا، وبـ"العيش والملح" اللذين جمعانا، وبنظرتها المضيئة، وبكتاباتها النزيهة الجادة، وبنبرة عتابها اللطيف في مرات لقاءاتنا الأولى عندما كانت تسمع كلمة "دكتورة".. ولعلي أستطيع بعد هذا أن أقول لها، محاولا أن أكون حيادي الصوت والملامح، بلا تعبير أو إفصاح عن الحزن الكبير: "أشوفك بخير يا أمينة". [من "كتاب الراحلين المقيمين".. و"الراحلات المقيمات" طبعا]