السبت 28 مايو 2022 - 06:25 مساءً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 

الرئيسية ابداع قصص قصيرة للاديبة السودانية. ِ أن الصافي "" الحاصلة لي جائزة الطيب صالح

 

 
 

قصص قصيرة للاديبة السودانية. ِ أن الصافي "" الحاصلة لي جائزة الطيب صالح

  الأحد 20 مارس 2022 11:30 صباحاً   




(الكهف) كلَّما مدَّ يده يلامس الظلام، يسمع أنفاسه، يتحسس الأشياءَ يجدها صلبةً ملساء في بعض تعاريجها وبعضها مدبدب. صوتٌ يأتيه من باطن الأرض يفرح، يهز رأسه يمنة ويسرة يميل إلى الأمامِ ثم يصلب طوله، آه هذه اللحظة المهمة، يلتهم شيئاً يسد رمقه وحين يظمأ يتحسس السطح الأملس إلى نقطة معينة تكون مدببةً بشكل قرطاس يضع شفتيه هناك ويشرب، يسمع أصوات تلك الكائنات ويصرخ مع أصواتها حين تعلو وحين تصمت يصمت، يغفو ويستيقظ هكذا يمرُّ الوقتُ، العتمة تجعله متسمراً في مكانه ووظيفته الوحيدة أن ينتظر أصوات تلك الكائنات تأتيه بما يأكل. في أي مكان من العتمة يمكنه أن ينامَ ويتغوط. يمرر أصابعه على الأشياء حوله. أعوامٌ أم ساعات مرت كلها سيان لديه، هو لا يدرك شيئاً سوى أن الحياة هنا عتمة ولكنها آمنة. أصوات ارتطام أشياء تتكسر. يُصدر بدوره صُراخاً و عويل. قلبه يرتجف، أٌقدامه لا تقوى على حمله، شيءٌ ما يقترب منه وأصوات الإرتطام تملأ الظلام وروحه، صوت يهز كل شيء حوله يتعالى صُراخه ويزدادُ هلعُه لونٌ، أبيض يتفجر حوله، يسقط يتهاوى مرتعداً تلفه غيمة من الغبار، يسعل ويصرخ. أصواتٌ عالية.. ما هذا؟ إنه حيٌّ يرزق.. مرتعبٌ منا! ماذا أتى به إلى منتصف الجبل؟ هذا تجويف داخل الجبل ... كهف...كيف دلف إليه؟ سأقترب منه هو غير مدرك لما يحدث.. أشك أنه لا يرى! عيناه متسمرتان. اقترب منه الرجلان حياه، لم يُجب، تبدو عليه علاماتُ الخوفِ والهلع. كلابٌ تعوي ونباحاها يشقُّ الجبل. يستمع إليها ويبكي، عيناه تعانق صورة الكلاب وهي تلاحق عربة الإسعاف التي تحمله بعيداً عنها، ها هو يعود إلى المكان الموحش، الذي هرب منه منذ أمد. (الحجر) سقطت قطرةُ ماءٍ في فم نفيسة، ابتسمت وهي تبتلعها مسحت بيديها على وجهها وصفقت بكفيها محتفية بما نزل من قطرات تلت، نظرت إلى أمها وهي خلف النافذة في المطبخ وقالت بصوتٍ عالٍ: إنها تمطر، أنظري. أدخلي ساعديني في وضع طعام الغداء. جلست متوسطةً جدها وجدتها وأمامها أمها تناولوا الطعام في صمتٍ، صدرت عن الجد تنهيدةٌ وتسبيح من حين لآخر. صوت الرعد والبرق وسقوط قطرات المطر وإنهماره في الأرجاء سيمفونية الطبيعة تطرق آذان الكون في شوقٍ بعد موسم الصيف الجاف. نسمات طيبة معهودة لامست أنوف الجميع عادة تبعثها الأرض بعد هطول المطر يسميها أهل السودان ب(الدعاش) ، وهو رائحة التربة الرطبة مختلط معها بعض الزيوت التي تفرزها النباتات والأعشاب عند جفاف التربة وتزيد رائحة الدعاش كلما كانت التربة أكثر جفافاً. قالت نفيسة: حين يتوقف سقوط المطر سوف نذهب إلى منزل أخي علي. نعم سنذهب عزيزتي، سيكون في إنتظارنا. صوت أمها كان خافتاً، نظر إليها والدُها مبتسماً موجهاً لها حديثه : هذه المرة علينا أن نغادر قبل آذان العشاء، لا أود المبيت هناك. وأنا أيضاً يا إبنتي، علي أن أعود مع والدك. أكملت تناولها الطعام ووقفت قائلةً وهي تمضي نحو مغسلةٍ في ركن الممر الرابط بين المطبخ والصالة: سنعود معاً ولن نبقى؟ لا بأس المرة القادمة سنبقى. حملت الصغيرة ثيابها ارتدتها متوارية بباب الخزانة وأتت نحو جدتها التي كانت تنتظرها بالفرشاة والمشط وبعض الأشرطة لزينة الشعر. جلست على السجادة أمام جدتها وقالت: هل أخي بخير؟ هل هو مريض كما تقول زوجته؟ هو بخير فقط أدعي له بالشفاء يا حبيبتي. في المرة الأخيرة التي زرناهم فيها قال لي إبنه أن الطبيب أخبر والدته بأمر يتعلق بصحة والده وربَّما قال أنه لن يشفى فبكت ولم تأكل الطعام بعدها حتى هزل جسدها، هل تعرفين هذه الحقيقة؟ ياصغيرتي فقط أدعي له بالشفاء، رحمها ورحمنا الله، من لنا سواه عز وجل! لا أجروء أن أسأل والدتي فهي ستبكي إن سألتها. منذ أكثر من عام بدأ في الذهاب إلى غابة مجاورة يمضي فيها وقتاً طويلاً. كما يقول لمن يسأله، أنه يفضل العيش في الغابة مع بعض البسطاء والفقراء يساعدهم في بناء منازل من الخشب والصفيح تقيهم أمطار الخريف. فلديه شركة مقاولات ومواد البناء يمكنه أن يتحصل عليها من السوق بأسعار مخفضة. أصبح يغيب في الغابة وقد يمضي عطلة نهاية الإسبوع وبضع أيام تليها وآخر مرة غاب لمدة شهر كامل، حتى بحث عنه الأقرباء ووجدوه هناك يجلس في أعلى جبل، ويبدو في حالة يرثى لها. أعادوه إلى المنزل أشعثاً وأغبرا وهزيل البنية لا يتكلم وينام ساعات قليلة، وكأنه لا يرى من أمامه فقط نظراته تائهة في عوالم لا يراها سواه. أخذته والدتي وزوجته إلى الطبيب الذي على ما يبدو صنف مرضه. لا أعلم تحديداً هل هو جنون أم شيء آخر. هو لا يؤذي أحداً ولم يعد يفعل شيئاً سوى الجلوس أو الاضِّجاع على الأرض ومراقبة السماء. تولى عمل شركته شقيقُ زوجته الذي يشاركه في رأس مالها كما تقول أمي. غادرت لألعب مع إبن أخي في حديقة منزلهم، ناداني: تعالي لأريك شيئاً لن تريك له أمي أو أحد آخر، ارتفعت خفقات قلبي حين دخلنا إلى حجرة والديه. كانت نظيفة جداً وفرشها أبيض وأزرق تفوح منها رائحة طيبة. وأخي مسجى على الفراش في سبات عميق. فتح إبن أخي خزانة والده وأخرج منها صندوق فضي بحجم الكفين. قال لي :أنظري ماذا هنا. اقتربت وهو يفتح الصندوق لأرى رمالاً صفراء نقية يتوسطها حجر أسود بحجم باطن اليد الواحدة. قال لي :شمي الرائحة التي تنبعث من هذا الحجر. كانت رائحة فواحة زكية لا أعرف ماهي ولكني أحببتها. كان يتحدث عن شكل الحجر وأن مصدره مجهول ولا أحد يعلم بتفاصيله إلا والده، حين حاول أن يعيده إلى الصندوق انسحب من يده ليسقط على الأرض. جلس على الأرض ليحمله ويضعه في الصندوق. حركة خلفنا جعلتنا ننتبه، أخي مستلقياً على الفراش، موجهاً نظراته إلى سقف الحجرة ويتنفس بهدوء. لم نتحرك أنا وإبن أخي من الخوف هممنا بمغادرة الحجرة ركضاً ولكن صوت تعالى قائلاً: الأسرار الكبيرة تبدو صغيرة لمن لا يعيها. إنه صوت أخي، مرت ثوان، اقتربنا من أخي وهو مستلقياً على فراشه، تذكرت كيف كان يحتفي بقدومي لزيارتهم ويحملني في حضنه بيد وبيده الأخرى يحمل إبنه. كان ينظر إلي افتقدت نظرته هذه بكيت وأنا أقبل خده. فرحة عارمة حملت إبنه على البكاء، وقف عند حافة الفراش حيث قدمي والده. نهض أخي من رقدته، مسح على رأس إبنه، نظر إلى الحجر وهو ملقى على الأرض ورائحته الفواحة تملأ المكان. هذا الحجر قد أدى مهمته، هيا بنا.. سألته: كيف ذلك؟ وجدته في الغابة ورأيت حلم بأني سوف أترك كل الحياة وأعيش هائماً وهذا الحجر في صندوق بخزانة ملابسي محافظاً عليه. في يوم ما سوف يسقط على الأرض واستعيد عافيتي. خرجنا من الحجرة وثلاثتنا تملانا البهجة. زخات المطر منهمرة بشدة ولكنها لم تمنعنا من أن نُعلّي أصواتنا ونحن ندندن: " يامطرة صبي لينا في عينينا" مساء ذاك اليوم سمعت زوجة أخي وأمي تخبران أخي أن الحجر الذي كان يحرص عليه قد سرقه فتى كان يساعدنا في أعمال المنزل وذلك بعد يومين من وضعه بخزانة ملابسه. ولكي يطمئنوه وضعوا حجراً بديلاً يشبهه في ذات المكان.