الأربعاء 06 ديسمبر 2023 - 11:39 مساءً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 

الرئيسية ابداع "الرحلة عبر المتوسط" هادي المياح .. العراق

 

 
 

"الرحلة عبر المتوسط" هادي المياح .. العراق

  الأحد 12 فبراير 2023 11:22 مساءً   




كان ثمّة غيوم بيضاء مثل ندف قطنية، شكّلت في الأعالي لوحةً ساحرة. لكننا لم نكن نبلغ بعد حدود الاستمتاعِ بالتحديق، فقد رشّتنا السماءُ برذاذٍ خفيف، قبل أن تمطر بشدّة. وفي الحال، صعدنا جميعًا إلى الباص. كانت "زوزاية" الى جانبي. تضاهي في استذكارها سجل الملاحظات في هاتفي.وربما تعكس رؤياها ومضات ومواقف لا تخطر لي على بال. "عند انطلاق تلك الرحلة مباشرة رأيتُ ثلاثة طيور سوداء تحطّ فوق غصن شجرة. ثم طارتْ. وراحتْ تحوم في الفضاء، متخذةً شكلاً دائرياً تقريبا. في وقتها، كتمت الأمر بداخلي، ولم أُبح به لأحد." قالت زوزاية ذلك بينما سرحتُ بعيدا. وتذكرت الفيلم الذي شاهدناه قبل عدة شهور، بدايته كانت تتمثل في اللقطة التي رأتها وقصّتهَا عليّ. فتأكدت أن مشاهَد ذلك الفيلم لم تبارح مكانها في مركز وعيها وتخيلاتها. وحتى انا لم أُقاوم رؤية مشاهد الفيلم حتى نهايته. كانت "زوزاتي" في ذلك اليوم مكتئبة خاصة أثناء مرور الباص بطرق ضيّقة ملتوية. زوزاية أمرأة كتومة جدا، لا تبوح بكل التفاصيل. تقول انها لا تريد التسبب بإزعاج ما لأحد مهما كان ضئيلا. "يقول الرجل الذي كان يجلس في مقدمة الباص، أن الرحلة إلى جنوب اسطنبول كانت تبدو مقنعة لولا صوت الاغاني إِلحاد الذي كاد يمزّق طبلة اذنه. وتمايُل الباص المفاجئ ، إضافة إلى أنّ كلمات بعض الأغاني الشعبية من وجهة نظره ، غير مناسبة لكل الاذواق. " كنتُ أعيد قراءة ما سجلته في حقل الملاحظات..والى جانبي بمسافة أمتار حقل صغير لأزهار التوليب، لم يُسجّل فيه حرفاً واحدًا رغم الطبعات الكثيرة التي تركتها احذية السائحين على أرضية ممراته. من بين السائحين، فتاة اطلقتْ صوتها قرب الساحل، وابتلع هدير الأمواج بعض كلماتها. فراحتْ تبحث عنها. حين تعبتْ، خطفتْ السيجار الكوبي من جيب بنطالها، وسحبتْ نفسًا طويلًا كاد يخنق مجراها التنفسي. ورغم كلّ ذلك، كانت تبدو سعيدة واستمرتْ تحاكي القيصرَ وكوكب الشرق . فذكّرتني ببلدي ورحتُ اهيم في ارهاصاته المزمنة. انتبهتُ إليها وهي لا تزال تراقبني وأنا اقلّبُ باقي الذكريات في الجهاز. انتظر ما يدور بخلدها من أسئلة. حتى جاءني صوتها: "من حقها أن تسأل: لماذا يدعوني بالشخصية الاسطورية؟ لكني بادرتُ وأجِبتها بالنيابة عنكَ، بأنّك لا تضمر لها السوء أبدا . وإنّ هذا المصطلح يطلق على الشخصية الحيوية القادرة على الإتيان بما لم يأت به أحد من قبل حتى لو كان من قدماء الآلهة. أقرّ بانني بالغتُ كثيرًا لكنْ ما كنت املك افضل من هذا لأقوله ؟" -كم انتِ رائعة يا "زوزاتي" آه…لو تعلمين كم إني أُحبك ولا استغني عن وجودك إلى جانبي أبدا. -…….. لم تردَّ "زوزاتي" كعادتها أمام مثل هذا الاطراء. فقط ابتسمتْ وربتّتْ على كتفي ، كأنها تطمئنني أو تؤكد لي ذلك الحب. حين كنّا تحت الجسر في المطعم. كان الجو مشبعًا برطوبةٍ خفيفة. شعرت بأرضية المطعم تتحرك كأن دولفيناً كبيرا تحتنا أو هكذا توهمت . كنا نتناول وجبة اسماك بحرية -اسرع وجبة صادفتني -سهلة وقليلة الأشواك لا تشبه ما تعودنا عليه، بحيث انني بعد دقائق من خروجنا، نسيتُ تماماً بأنني أكلتُ وجبة سمك متكاملة! في مطعم شبه عائم، يواجه البحر أو يحتل جزءا منه. نبّهني هاتفي بأن عدد الخطوات بلغ اليوم عشرة آلاف خطوة. شعرت بالارتياح، فهذا الحدّ يساهم في تقليل الاصابة بالمشاكل الصحية.كنت أرتدي حذاء "سكَچَر" طبي، قيل أنه مناسب في رحلات كهذه، معظمها سيرًا على الأقدام. وكنت اتطلع لمن حولي كلما مررنا بتجمع ما . إلى يساري، فوق ذلك الشريط الصخري، شاب يجلس قرب فتاته. جلب انتباهي وفضولي .كان يتحدث بأريحية تامة وبصوت عالٍ تتخلله حركة ذراعيه الهائمَين في الفضاء. في خطوات الاياب، كنتُ حريصًا على أن ابقى بجانب الشريط، للحفاظ على موقعي كما كنتُ في حالة الذهاب . شممتُ روائح ممزوجة برطوبة البحر. ورأيتُ الشابَ نفسه، مثل هلامٍ له اذرعَ متعددة تمّتد ما بين الصخور، وتتخللُ بسهولة في فضاء الفتاة. شعرتُ بالأرض تدور تحتي، كأنني هابطٌ من الفضاء. تذكّرتُ الرجل وما قاله وهو يبدي رأيه وقناعته في الرحلة، من داخل الباص. رأيت الفتاة التي فقدت كلمات اغانيها. وسألتها فيما إذا كانت وجدتها أم لا. وأنا أقلب ملاحظاتي بلهفة، عبرتُ سهوًا صفحة أو صفحتين وكان لابد لي أن أعود إليهما. عند عبورنا البسفور، شاهدت ثلاثة طيور سوداء تحطّ على الفنار. وضعت يدي على صدري وكنت مقتنعا أنها ستطير بعد قليل، ولا شيء يحدث بسبب ذلك. استرقْت النظر قليلا..كانت زوزاتي واقفة تراقب الطيور حتى طارت. لكن، في الوقت نفسه، وحين توقفت العبّارة دقيقةً أو دقيقتين مدة ارسائها. لم ينزل من المجموعة غيرنا! التفتت زوزاية نحوي.. وضحكت بصوت مسموع. وكأنها تريد أن تطمئنني بأنها تجاوزت معضلة سوء الطالع. وضحكت لأجلها ، ضحكت مثلها بصوت مسموع. ولم يكن هناك شيء آخر بعد ذلك.

صور اخرى