الأربعاء 28 فبراير 2024 - 05:13 صباحاً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 

الرئيسية ابداع "عرائس الزعتر " لبنى ياسين : الجزائر

 

 
 

"عرائس الزعتر " لبنى ياسين : الجزائر

  السبت 25 نوفمبر 2023 12:58 مساءً   




لبنى ياسين

لم يكن من السهل اقناع صديقي المقرب، وزميل المهنة الدكتور يوسف بأن يتوجه إلى مكان آخر غير هذا  ليقوم بمهمة إسعاف الجرحى، كانت تلك حارته، وكنت أشفق عليه من الاحتمالات المفتوحة على آخرها لفقد لم يعد له قِبل بتحمله، لقد فقد زوجته منذ  وقت قصير، وما زال منكوباُ بأوجاعه بها- وبجنين كان قد علم بوجوده قبيل قضائها بأيام لا تتجاوز أصابع اليد- في هجوم جائر لمحتل لا يقيم للمدنيين وزناً ، حاولت منعه، لم يستجب لي، قال لي:

 أنا اعرف سكان الحارة واحداً واحداُ، هل تريدني أن أخذلهم؟

 لم يقل أي منا شيئاً غير  ذلك، بعدها لذنا بصمت مشخون بالترقب، كأننا خشينا عبء الاحتمالات، عبء المجاهرة بها، أو ربما كنا نسعى لمنح نفوسنا فسحة من الأمل حتى لو كان ضئيلاً، أو كاذباً،  قبل أن يصفعنا الواقع بمرارته.

 صعدنا وزملاؤنا سيارة الاسعاف، والقلق ينسكب من عيوننا جميعاً.

عندما ترجلنا منها، ركض صديقي باتجاه الركام، كانت البيوت كلها متفتتة في الأرض مشكِلة كوم متصلاً من  الركام، لا تستطيع عبره التفريق بين بيت وآخر لشدة الدمار، والغبار والدخان يتداخلان بشكل مزعج، يجعل الرؤية عصية علينا ما لم نكن ننظر قريباً منا، هناك أصوات صراخ لأشخاص يتألمون تأتي من هنا، وهناك، سرعان ما توجه زميلانا أحمد، ونضال باتجاهها، بينما توزع  بقية الزملاء في أرجاء المكان متتبعين أصوات بكاء الأطفال محاولين إنقاذ من ما زال يتنفس تحت هذا الخراب، أما أنا فبقيت برفقة صديقي الدكتور يوسف، عالماً بأنه يبجث في هذه اللحظة عن من تبقى من عائلته.

وما هي إلا دقائق حتى استطعنا اخراج امرأة من تحت الركام، كان التراب يغطيها بشكل كامل، يعجز فيه المرء عن تمييز ملامحهاـ أو حنى لون وشاحها، كانت المرأة تنوح بصوت منخفض، لكنها صمتت قجأة عندما أدركت أننا من رجال الإسعاف ، ثم توجهت إلينا قائلة:

أرجوكم ابحثوا عن ولديّ، كنت أريد أن أعد لهما الغذاء، فهما جائعان بعد يوم دراسي طويل..كان يوسف في هذه الأثناء  يمسح عن وجهها التراب، ويفحص نبضها، بينما لم تتوقف هي عن الكلام:

لقد قتل الصهاينة أولاد الكلب أباهما، لكنني احتفظت بخاتمه لأزوج به جمال إبني البكر كما فعلت جدته عندما استشهد زوجها محمود على أيدي هؤلاء، جمال في العاشرة من عمره الآن، لكنه سيكبر يوماً، ويصبح رجلاً، وسيطرد هؤلاء القذرين من أرضناـ سينجب قبيلة من المقاومين يحرر بها فلسطين، لقد وعدت أباهما بأنهما سيحرران الأرض..سيفعلان ذلك..التفتت إلي بعدها قائلة:

هل أنت جائع يا عيون أمك؟ سأحضر لك عروس زيت وزعتر.

لم أستطع أن أجيب، كنت أشعر بسكاكين تنغرس في رئتي، وأنا أنظر إلى بسالتها، كل هذه الجراح، والدم الذي يغطي جل جسدها، وهي تفكر في طعام أولادها، تذكرت عرائس الزيت والزعتر التي كانت تعدها أم يوسف يومياً لنا، وترسلها مع ابنها، خشية أن يدركنا الجوع ونحن في سيارة الاسعاف ولا نجد ما يسد رمقنا، في هذه الظروف كان الزيت والزعتر رفاهية ليست في متناول الجميع بعد أن قطع الصهاينة كل شيء عن غزة حتى رواتب الموظفين، ولم تكن تضن بها علينا رغم ذلك، يا لقلب الأمهات.

كان الدكتور يوسف قد ضمد بعض جراحها، وتفحص النبض، والضغط، عندما التفتُ إلى يساري ورأيت ذراع رجل مبتورة إلى يمين المرأة المصابة، ولم تكن بقية الأشلاء بعيدة كثيراً عن تلك الذراع، نظرتُ إليها، وأعدت بصري على الفور إلى صديقي، فلمع في عيني الخاتم الفضي في اليد المبتورة عندما انعكست عليه أشعة الشمس، لأعود بنظري إلى صديقي في محاولة مني لأعرف إن كان قد تعرف على تلك الذراع، كانت الدموع تطفر من عينيه، وهو يضمد بقية الجراح محاولاً أن يتماسك ما استطاع، بينما أمه تكمل حديثها عن طفليها دون أن تدرك أن ذراع كبيرهما وفي أصبعه خاتم أبيه إلى جانبها، وأن الآخر كان يفعل ما بوسعه لإنقاذها، لكن صوت محمود حفيدها الصغير الذي لم يتجاوز السنة الأولى من عمره كان يطغى على المشهد برمته

 

أخبار اخرى فى القسم