الأحد 19 سبتمبر 2021 - 10:55 مساءً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 
 

الفولكلور صوت الزمان الذي سكت


محمد ناجي المنشاوي
السبت 28 أغسطس 2021 07:40:43 صباحاً



الباحث في الفولكلور المصري سيقع على كنوز لايكاد يحصيها عددا فمن الطبيعي أن يكون في مصر هذه الكنوز من التراث الشعبي نظرا لامتداد تاريخ البشر وحضارتهم في مصر عبر آلاف السنين فالتاريخ المصري واسع باتساع الزمان والمكان كما أنه شديد الثراء والتنوع ويمثل الذاكرة التاريخية الشعبية المصرية العابرة للعصور والأحقاب والأزمنة والساكنة والملتصقة بروح الشعب ووجدانه يرويه ويحكيه ويتغني به أينما حل أو ارتحل وهذا التراث يتنوع بين مادي ومعنوي، أما المادي فيشمل الأدوات والأواني والنقوش والرسوم والصور وغير ذلك أما المعنوي فيشمل الأغاني والمووايل والسيروالملاحم الشعبية والقصص والحواديت والخرافات والأساطير وأغاني الأفراح وأغاني (التعديد في المآتم) ثم هناك ألوان من الرقص والألعاب كلعبة (السيجة) والتي تشبه الشطرنج والاستغماية hide and seek.ولعبة التحطيب وأغاني الميلاد والختان ومظاهر الاحتفال في الأعياد المختلفة كشم النسيم وسبت النور وأغاني الرعاة وأغاني الفلاحين في الحقول والاحتفال بالموالد الدينية وجلسات المتصوفة وحكايات آمنا الغولة والشاطر حسن والسبع بنات وقمر الزمان وبساط الريح وحكايات الأشباح والجن والعفاريت وتلكم بالطبع على سبيل التمثيل لا الحصر فهناك الفولكلور الصعيدي والفولكلور البحري والفولكلور البدوي وعندما نبحث في استمرار هذا الزخم من الفولكلور لانكاد نعثر منه إلا القليل والنادر في ذاكرة الأجيال الشابة الحالية وكأن صوته قد سكت أوخرس فترى مالأسباب التي أدت إلى عدم ظهوره بوضوح حاليا مثلما كان في العصور السابقة ومامظاهر هذا الغياب؟ وما تأثير غيابه على المجتمع؟ وماطرق بعثه وإحيائه؟ كان الفولكلور دائما حليف القرويين والحرفيين وصيادي السمك أكثر من غيرهم وكانت البيئة الريفية سواء في الوجه البحري اوالقبلي مخزنا كبيرا غنيا بهذا المخزون الفولكلوري وميدانا خصبا للباحثين في هذا المضمار فلكل مفردة من مفردات تلك البيئة مايتصل بها من نمط فلكلوري خاص بها ويدور حولها فمنها مايتصل بالحقل والثمار والطيور والأشجار والسواقي والقمر ومنها مايتصل بمواسم الحصاد والأفراح والمآتم فهناك الموال الذي يفيض فرحا وهناك منه مايفيض شجنا وأسى وهناك منه مايحمل الموعظة والحكمة والاعتبار وأغاني الفلاحين أثناء العمل في الحقل للتسلية وتنشيط الهمة والتخفيف من مشقة العمل وهناك الحواديت التي تحكي في المساء وهم جلوس في الليالي المقمرة على المصاطب أمام دورهم الطينية وكذلك شاعر الربابة الذي يقص السيرة الهلالية اوسيرة الظاهر بيبرس أو عنترة بن شداد وهناك الأجداد والجدات الذين يمثلون في كل أحاديثهم بالأمثال العامية الجميلة والمفيدة، أين ذهب كل ذلك؟ إنني أعتقد أن ظهور التليفزيون وانتشاره بين أهل هذه البيئات كانت نقطة التحول الكبرى التي حولت القروي من حكاء ومغن بالتراث إلى مجرد مستمع أو متلق سلبي له فبدأ ينصرف عما يسرد عليه من حواديت وماكان يطرب له من أغان ومواويل لقد سحرته الصورة التليفزيونية وتمترست الأسر وتعصبت أمام التلفاز لمشاهدة الأفلام والمسلسلات فاختفت لقاءات حكي الحواديت وجلسات السمر الليلي رويدا رويدا ثم مالبث شباب القرويين وشيوخهم من حملة الفولكلور أن هاجروا إلى دول الخليج أو العراق أو ليبيا في منتصف السبعينيات بصورة جماعية للعمل في هذه البلدان الشقيقة وقدم العهد بهم فيها وبمرور الوقت انتقل جيل الشيوخ منهم إلى جوار ربه ولحق بهم الكثير من الجيل التالي ولم يبق إلا القليل وهذا القليل نسي مع مشقة العمل وسنوات الغربة وما يحدث فيها من تغيير في الأفكار والأحلام والتطلعات، نسي ماكان باقيا في ذاكرتهم مما ورثوه من جيل الشيوخ وفعلت بهم الغربة مافعلت في الوقت الذي تغيرت فيه ملامحهم قد تغيرت فيه ملامح القرية القديمة ومفرداتها التي كانت تدور حولها عناصر الفولكلور المختلفة وترتب على ذلك اختفاء البيئة المنتجة للفولكلور وبخاصة بعد التطور المذهل في وسائل الاتصال وشبكة التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية الإلكترونية وبهذا نكون قد فقدنا مصدرا أساسيا من مصادر بناء الوعي الاجتماعي والسياسي والنفسي وتثبيت الجذور وتقوية الانتماء الوطني، ومن ثم يتوجب على الباحثين في هذا المجال بذل ماوسعتهم الطاقة في جمع هذا التراث وتدوينه وقيام مؤسسات الدولة بتبني المشروعات الأدبية والفنية التي من شأنها صون هذا الفولكلور ونشره بين أبناء الوطن