الخميس 06 أكتوبر 2022 - 06:58 صباحاً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 
 

عصر من الغناء المصري


محمد ناجي المنشاوي
السبت 16 أكتوبر 2021 12:02:36 صباحاً



بوفاة أقطاب الغناء والطرب في مصر ، فريد الأطرش 1974 ثم كوكب الشرق ام كلثوم 1975 ثم عبد الحليم حافظ 1977 بات حال الطرب والغناء توحي بأجواء جديدة يولد فيها الوان من الغناء لاعهد للمتذوق المصري بها _ رغم وجود مطربين ومطربات من الجيل القديم _ وقتذاك ، كانت سياسة الانفتاح الاقتصادي قد بدأت تلقى بآثارها السلبية على المجتمع المصري واول ما أصابته طعنة غائرة مميتة في ذوق الجماهير المصرية إذ اتجه المجتمع إلى تسليع كل شيء حتى الذوق وتحكم طبقة من السماسرة في صناعة الأغنية المصرية وفي تلك المرحلة شهدت مصر أحداثا كبيرة إذ وقعت انتفاضة شعبية مصرية اجتاحت الشارع جراء ارتفاع سعر الخبز وهي ماأسماها السادات بانتفاضة الحرامية وكان ذلك قبيل وفاة الفنان عبدالحليم حافظ بحوالي شهر ونصف الشهر تقريبا ثم قيام السادات بزيارة القدس بعد وفاة عبد الحليم بسبعة شهور ونصف، وبدا في الأفق البعيد والقريب أن عاصفة غامضة هبت على مصر قلبتها رأسا على عقب وكان الطرب إحدى دوائر صناعة الوعي التي اجتاحتها تلك العاصفة بلا رحمة ولا هوادة وأصبحت الساحة الغنائية شبه خالية من نشاط المطربين والمطربات الذين طالما تربى وعي المصريين على أصواتهم العذبة الشجية وكلمات أغنياتهم المنتقاة بعناية وألحان تلك الاغنيات التي سكنت مشاعر المصريين عبر أجيال متعددة ومتوالية، وسط هذه الظروف المعقدة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بدأ الفن المصري ينحو مناحي غريبة على وعي وذوق المصريين في السينما والمسرح والغناء وكأن كل شيء في الفن بات يعرف طريقه في مصر نحو الجماهير عن طريق الإسفاف والضحالة وتملق غرائز العامة والدهماء والغوغاء وفي الغناء كانت صورة التراجع والسقوط واضحة جلية للعيان أكثر منها في الفنون الأخرى نظرا لسهولة وصول الطرب والغناء إلى المتلقي على عكس السينما والمسرح، ومنذ مطلع الثمانينيات كان المجتمع المصري قد غرق في دورة تاريخية ملامحها لاتخفي على كل ذي عين ترى وترصد فقد توغلت الطبقات الطفيلية وانصاف المتعلمين والأميين والجهلاء في كل شبر ينشرون ثقافتهم الخاصة بهم ويفرضونها فرضا على سائر المجتمع فاكتظت ملاهي شارع الهرم ومايشبهها من ملاه في مدن مصر برواد من دول نفطية شقيقة لايرتادون تلك الملاهي إلا لكل ماهو رخيص ومبتذل فقدم لهم أصحاب الملاهي ألوانا من الأغاني التي تخاطب غرائز هم وهم في حالة سكر تخيم على العقول ثم مالبثت ان خرجت هذه الأغاني طبعا بفعل عصر الكاسيت إلى الشارع ومنه تسللت إلى البيوت والمحال والبوتيكات والمقاهي وحفلات العرس عند الأغنياء والفقراء ومجالس مدمني المخدرات والمجرمين، ثم اكتشف المجتمع بعد حين انه نسي كل أصيل وجميل في الغناء وان ذوقهم تغير كمن أصيب بداء خبيث ظل يتمدد في جسده ولم يدرك انه مصاب إلا بعد تفاقم المرض ولم يعد يرتاد المسرح إلا ذوو الذوق الجديد وبات أصحاب المسارح الخاصة حريصين كل الحرص على إرضاء ذوق هذه الطبقة الجديدة من الأغاني الهابطة كلمة ولحنا وربما صوتا ومما زاد الطين بله ظهور ماعرف بقنوات الفيديو كليب منذ عام 1999 مثل : ميلودي بلس /ميلودي هيتس /ميلودي آرابيا، تلك القنوات التي صارت في ازدياد وتسيطر على سوق الأغنية إنتاجا وإذاعة وعن طريق هذه القنوات انتشرت موضة أغاني الفيديو كليب انتشارا مذهلا كقطار سريع طائش يطيح بكل من يقف في وجهه فمن وراء هذا الصنف من الأغاني حقق اصحابها ثروات طائلة مع انهم ليسوا بحجم موهبة ام كلثوم او عبد الحليم حافظ اوغيرهما فما الذي تغير إذن ؟ بالطبع تغير ذوق قطاع عريض من الجماهير بفعل سنوات الانفتاح الأولى وتراجع الطبقة الوسطى في مصر والتي لم يعد دخلها يتناسب مع ثمن شرائط الكاسيت والفيديو وأصبحت طبقة من السوقة الأثرياء الجهلاء تتحكم فيما يغني وبما إن ذوقهم يميل إلى الدني والرخيص في المعنى والقيمة ففرضوا على صناع الأغنية ذوقهم الدني والآخر ون _ بدورهم _قدموا لهم تلك الوجبات الغنائية المسمومة مقابل مايتقاضونه من أموال طائلة ، ومن اللافت للنظر ان بعضا من أولئك الذين احترفوا هذا اللون من الغناء قد توقف تماما عن نشاطه الفني لضعف موهبته اوربما ابتعد بعد محاسبته بصدق لنفسه والحق أن بعضا من أصحاب هذه الموجة من الغناء يمتاز بصوت جميل وينتقي كلمات أغانيه بعناية ويقدمها في لحن رائع ولكن هؤلاء قلة قليلة للغاية وسط طوفان من المطربين أنصاف المواهب وهذه القلة بالطبع ليس في مقدورها ان تفرض ذوقها على جمهور أدار ظهره تماما لكل فن محترم وماذا يفعل دلو ماء عذب في بحر واسع ماؤه ملح أجاج ؟