الخميس 06 أكتوبر 2022 - 07:24 صباحاً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 
 

بين ثقافة الصوت وثقافة الصورة 2 من 2


محمد ناجي المنشاوي
الجمعة 19 نوفمبر 2021 11:04:42 مساءً



في المقال السابق كتبت عن ثقافة الصوت :(الإذاعة نموذجا) ؛ وبينت كيف كان لثقافة الصوت الإذاعي عبر المذياع المصري بشبكاته المتنوعة أثر كبير الشأن في تثقيف المصريين ورفع درجة الوعي لديهم إذ لم تكن الإذاعة تقدم للمستمع إلا زادا طيبا مذاقه، ومستساغا شرابه، وأظنها مازالت على منهجها القديم، ولم تحد بعيدا عنه، ومازال شغف تلك الأجيال التي تربى وعيها على الصوت الإذاعي مستمرا ومتوهجا، وعلى الرغم من ظهور التلفاز وشبكة الإنترنت إلا أن إحصائية صادرة عن اليونسكو في عام 2016 تبين أن عدد المستمعين إلى المذياع يزيد عن عدده المشاهدين للتلفاز وأن الدول النامية تملك 800 محطة إذاعية وأن 3/9 مليار من عدد سكان العالم يتابعون المذياع وتعذر اتصالهم بالإنترنت، وممازاد من أهمية الإذاعة ظهور راديو الإنترنت كمنافس لها ليجبرها على التجديد والتطوير والابتكار، أما عن ثقافة الصورة، وهي من أقدم مصادر الثقافة الإنسانية حيث لاينبغي تجاهل الصورة الجامدة المتمثلة فيما هو مرسوم على جدران ومسلات ومقابر ومعابد الحضارات القديمة وبخاصة الفرعونية حتى ظهور الفنانين الكبار في عصر النهضة الأوربية ومابعده (مايكل انجلو وبيكاسو ورمبرانت ودالي وغيرهم) ثم كانت الصورة الفوتوغرافية والصورة السينمائية ذات البعدين في اللون :الأبيض والأسود وخلوها من الصوت وهي ماتعرف بالسينما الصامته والتي استمتعنا من خلالها بأفلام (شارلي شابلن) خاصة، ثم السينما الناطقة وبعد ذلك السينما ذات الصورة الملونة الناطقة وكان ذلك فتحا كبيرا في مجال الصورة ثم هل التلفاز الذي انتشر في العالم وما تم استحداثه من قنوات فضائية محملة عبر الأقمار الصناعية، ثم الهاتف المحمول بكل إمكانياته المذهلة، وإذا اتخذنا التلفاز نموذجا على ثقافة الصورة في مصر على اعتبار وجوده (تقريبا) في كل بيت مصري، فإنما نراعيه لكونه الأكثر تأثيرا في وقتنا الراهن، ولظهوره في مصر مبكرا في المنطقة العربية منذ أوائل الستينيات، فتعلق به المشاهدون على مستوى الطبقات الاجتماعية كافة وعلى اختلاف ثقافتها، بدأ التلفاز المصري مبهرا للجمهور ببرامجه وفقراته المبثوثة صورة مرافقا للصوت، وصاحب ظهور التلفاز في مصر فترة الستينيات ذات التحولات الكبرى في حياة المصريين سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وتعليميا، ومدت الدولة المصرية مراكز شبابها وجمعيات الإصلاح الزراعي في كل قرية ونجع بجهاز تلفاز يعمل بالبطارية الجافة أولا ثم بالكهرباء بعد بناء السد العالي ودخول الطاقة الكهربائية لكثير من تلك القرى والنجوع، وبدأت عيون الجماهير المصرية تصافح الصورة التلفاز ية في كل بيت وناد ومقهى وسوق ، يتلقى الجميع رسالة إعلامية موحدة من خلال قناتين اثنتين تبثان برامجهما التي لها سياسة مرعية تضع على عاتقها احترام المشاهدين والعمل على تعليمهم وتثقيفهم ورفع وعيهم واحترام عاداتهم وتقاليدهم الطيبة الموروثة، ونقد الخطأ والقبيح منها وتوجه المجتمع نحو الوجهة الصحيحة كما انها راحت تعزز وتقوي وتثبت القيم الاجتماعية الإيجابية، وكان من تأثير تلك الصورة هو تحول اهل الريف في مصر عن ثقافة الصوت قليلا المستمدة من جلسة (المصطبة) أمام البيت حيث الحواديت وكذلك جلسة (الساحة /الجرن)، لقد تراصوا أمام التلفاز فشاهدوا تراث السينما المصرية، أفلامها التي علقت باذهانهم وبرامجه الثقافية ومسلسلاته، والمسرح التليفزيوني، ونشرات الاخبار المصحوبة بصور للأحداث والوقائع، واللقاءات المختلفة مع نجوم المجتمع في الأدب والعلم والفن ومسلسلات الأطفال التعليمية، ونقل مباريات كرة القدم على الهواء مباشرة، وبدخول التلفاز الملون بدأت مرحلة جديدة أشد تأثيرا وتشويقا، حتى حل عصر الفضائيات والأقمار الصناعية وعن طريق الستالايت أصبح العالم قرية واحدة، كل فرد فيه يعيش على عتبة الآخر وبات التلفاز نافذة بحجم الكرة الأرضية واخذ المشاهدون يرون كل مايقع في العالم في نفس اللحظة التي يقع فيها الحدث، وأصبح في إمكان المشاهد رؤية صور لثقافات الدنيا بأسرها ورؤية أفلام مبثوثة من أقطار لها ثقافات تصطدم بثقافتنا فطفق الصبية والمراهقون وقليلو الثقافة يقلدون ماتراه عيونهم من صور الجريمة والقتل والدمار وصور الحروب والقتلى، ونتج عن ذلك آثار سلبية لاحصر لها وأصبحت صورة واحدة تغني عن الف خبر وأصبح للصورة موقع بارز في اهتمام الناس فربما وصل سعر إحدى الصور 6 ونصف مليون دولار التقطها صاحبها لشاع يخترق صخورا فشكل منظرا عجيبا، ومع ظهور الهاتف المحمول وإمكانياته في نقل الصورة وتوفره في أيدي الملايين من البشر أصبح الأمر أشد تعقيدا وتركيبا وأبعد أثرا في حياة الناس، ولاشك أن له جوانبه الإيجابية ولكن من المؤكد في ظل ثقافة العولمة المهينة باتت الصورة لدى الشعوب الأقل ثقافة والتي تعاني من نسب أمية بالغة الزيادة وسيلة قد تكون أشد فتكا في تدمير قيم هذه المجتمعات وتلويث ثقافتها بل وربما هدمها لتصبح ثقافات شائهة ومشوهة فللصورة جانبها السلبي في أيدي الجهلاء كما للبندقية خطرها في أيدي الأطفال الأبرياء ، ولكن على أية حال، فقد فرضت الصورة نفسها على الدنيا بأسرها إنه عصر الصورة الذي لايمكن الهروب منه