الثلاثاء 18 يونيو 2024 - 05:23 مساءً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 
 

الأيقونة المتوهجة أبدا


محمد ناجي المنشاوي
الاثنين 24 يناير 2022 07:25:33 صباحاً



في التاريخ المصري الممتد، قديمه وحديثه رجال ونساء، قدموا _ بإخلاص _ إنجازات عظيمة وراسخة، مازالت تؤثر في حياتنا المعاصرة، واظنها ستبقى كذلك ابد الدهر، فقد افني هؤلاء العظماء بحق أعمارهم مخلصين من أجل الرقي بالوطن، رغم ماصادفتهم من عراقيل وازمات عاصفة، نالت من صحتهم، وطالت سمعتهم عن طريق مكائد خسيسة، واحقاد وضغائن، زجت بعضهم في غياهب السجون ، ورغم ذلك ظلوا على حبهم لمصر وشعبها غير عابئين بما وقع عليهم من مؤامرات دبرت لهم بليل، ومن هؤلاء الرائد على مبارك أبو التعليم في مصر المولود في قرية برنبال إحدى قرى محافظة الدقهلية (1823 م _1893 م)، حفظ القرآن الكريم في الكتاب ثم التحق بمدرسة القصر العيني الذي خاب أمله فيها إذ صدم بنظام التعليم بها فقد كان التلاميذ ينفقون معظم وقت الدراسة في تعلم الخطوة العسكرية، مع تقديم المدرسة لهم طعاما هزيلا لايغني ولايسمن من جوع، وسط بيئة مكانية قذرة جالبة للأمراض، حتى أنه نفسه قد أصيب بمرض الجرب، ومن حسن حظه ان تم نقله إلى مدرسة الهندسة بأبي زعبل، ولكن الطالب المجتهد صادفته عقبة جديدة في هذه المدرسة في فهم مادتي (الهندسة) و(النحو)، وبخاصة الهندسة التي لاقي عناء في فهمها من معلمها وقد ظن على مبارك أول الأمر أن عدم فهمه يعود إلى قدراته العقلية، ولكن بعد أن أقبل معلم جديد للهندسة ليحل محل المعلم الأول، أقبل علي فهم الهندسة منه في وضوح تام فأيقن حينئذ ان العيب كان يكمن في أسلوب المعلم الأول في شرح تلك المادة ومن هنا تعلم درسا مهما وهو أسلوب التدريس أحد اهم أركان العملية التعليمية، وكان اتقانه للهندسة وتفوقه فيها سسببا في اختياره مع مجموعة من الطلاب الفائقين للالتحاق بمدرسة المهندسخانه ببولاق ليدرس فيها كل فروع الهندسة، وقد كافأه محمد علي باشا باختياره ضمن البعثة التي ارسلها إلى فرنسا، ولكن ماإن بدأ في تلقى دروسه حتى اكتشف انه أمام معضلة تكاد تعصف ببعثته وفشله فيها والعودة إلى مصر، إنها معضلة اللغة الفرنسية التي يتلقى بها الدروس بفرنسا تلك اللغة التي لم يكن يعلم من أمرها شيئا، ولكنه لم يستسلم لليأس والإحباط فقد شحذ عزيمته، واستجمع قواه وشمر ساعديه ليتعلم اللغة الفرنسية فجمع كتب الفرنسية المقررة على الأطفال في المدارس الفرنسية، وانكب عليها درسا وفهما وحفظا وبمعاونة بعض زملائه في البعثة العالمين بالفرنسية، وواصل الليل بالنهار حتى لم تمض ثلاثة شهور إلا وقد أتقن على مبارك الفرنسية إتقانا تاما يمكنه من استيعاب علوم الهندسة بالفرنسية دون عناء يذكر، وخرج مبارك من هذه التجربة بدرس على غاية من الأهمية وهو انه ليس هناك مستحيل في تلقى العلم وتذليل الصعاب متى توفرت الهمة والعزيمة الصادقة والرغبة في التعليم فكل ذلك قادر بحق على تحطيم العقبات وهدم جبال اليأس، فقد درس سنتين في (باريس) الهندسة المدنية وسنتين أخريين في (متز) لدراسة الهندسة الحربية، ثم بقى عاما خامسا في التدريب ليعود بعدها إلى مصر، لم ينس خلالها ابويه وأهله إذ كان يرسل إليهم نصف ماكان يتقاضاه من مكافأة شهرية أثناء بعثته، وهذا درس أخلاقي قيمي نتعلمه من على مبارك وهو البر بالوالدين، وحين عاد من بعثته كان عباس الأول على رأس الحكم وكان معايا لكل مايرتقي بابناء المصريين ولم يكن مشغولا بالتعليم ولذا لم يستفد من على مبارك إلا في أضيق الحدود، وكانت مصر حينئذ غير مستقرة في بلاط حكامها إذا كانت الدسائس والمكائد والوشايات تتحكم في مصير اي موظف مهما علا قدره، إذ الكل مرهون برضا الخديو الجالس على عرشه في القصر فحين غضب الخديو سعيد علي مبارك زج به ضمن فرقة حربية إلى الأستانه والأناضول لمساعدة العثمانيين وحين عاد إلى مصر كان يتم توظيفه حينا وإهماله والصد عنه وطرده احايين أخر فيضطره إلى العمل الحر، بل وترك القاهرة حتى يتم استدعاؤه ثانية وربما يعد عهد الخديو إسماعيل أزهى عهود عمل في إطا رها ، فقد قام مبارك بتصميم شوارع القاهرة وإنشائها وكذلك تصميم ترع وشقها وبناء جسور وغير ذلك من أعمال هندسية جبارة إلى جانب إنجازاته التي حققت لمصر نهضة تعليمية رائدة فقد وضع اسسا للعملية التعليمية طبقها تطبيقا عمليا بنفسه ليقتدي به غيره فقد وضع مقررات دراسية وتدخل في إرشاد المعلمين لطرق التربية الرشيدة واهتم بالمعلم شكلا ومضمونا وكذلك بالتلاميذ إذ كان يهتم بتربيتهم تربية شاملة من حيث التربية الخلقية والجمالية والعلمية، فضرب مثلا للمعلم القدوة ووضع من البرامج بعقلية المهندس وروح المعلم وحماس الوطني الشريف ما يصلح التعليم العام والديني وادخل علوم الدنيا إلى المقررات الدراسية كالجغرافيا والكيمياء والفيزياء وأنشأ مجلة روضة المدارس المصرية ودار الكتب المدرسية والف موسوعته العظيمة المعروفة بالخطط التوفيقية كما أسهم في تشجيع حركة الترجمة ، وبعد الاحتلال البريطاني لمصر قام الانجليز بتقييد نشاط على مبارك وربطوا نشاطه بخططهم التي تسعى لتجميد التعليم المصري وتخلفه، حتى بلغ الصدام مداه حينما تولى ملنر الانجليزي مستشارا ماليا، كان على مبارك قد تقدمت به السن، فأوي ببيته ليتوفاه الله تعالى عن عمر سبعين عاما (1893 م) بعد رحلة عطاء ممتدة لم يتوان فيها هذا الرائد والبناء الكبير لحظة واحدة في الرقي بوطنه ليظل دائما أيقونة متوهجة في تاريخ مصر