الثلاثاء 09 أغسطس 2022 - 01:22 صباحاً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 
 

نحو تفسير جمعي للقرآن الكريم


محمد ناجي المنشاوي
السبت 11 يونيو 2022 12:39:46 صباحاً



لم ينل كتاب سماوي من عناية بتفسيره على مر العصور مثلما ناله القرآن الكريم منذ نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أن العناية بتفسيره وترجمته وتناول محتواه  من قضايا مختلفة لم يقتصر على علماء المسلمين فحسب بل علماء أهل الملل والديانات الأخرى وغيرهم من الباحثين والمستشرقين، ومن الثابت ان اول نص مكتوب ومدون وصل إلينا من العرب هو القرآن الكريم الذي كانت تدون آياته عقب نزولها مباشرة عن طريق إملاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم لكتبة الوحي الذين اختلف المؤرخون في عددهم  بين ثلاثة عشر وثلاثة وعشرين وأربعين وخمسين كاتبا من بينهم كبار الصحابة رضوان الله عليهم وكان عبدالله بن أبي سرح  أول من كتب الوحي في مكة  وأبي بن كعب في المدينة المنورة ويعد زيد بن ثابت إمام كتبة الوحي وكانوا يدونون القرآن الكريم على الوسائل البدائية الشائعة في ذلك العصر كالعظام والرقاع والجلد والحجارة وسعف النخيل بعد معالجته ليكون صالحا للتدوين عليه،  وكان المسلمون يعتمدون في تفسير مايغمض عليهم من معان ومقاصد لبعض الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم على الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي  وكان من بين الذين فسروا التنزيل عبدالله بن عباس وعلى بن أبي طالب وأبي بن كعب ولم يختلف أولئك حول التفسير اختلافا واسعا  ثم تعددت مدارس التفسير بعد ذلك واعتمد المفسرون في ذلك الحين على التلقي والرواية، وقد بدأ عصر (تدوين التفسير) مع (تدوين الحديث الشريف) في مطلع القرن الثاني الهجري، ثم صار التفسير القرآني علما مستقلا بذاته غير أن المفسرين في ذلك الوقت انتهجوا نهجا سلبيا نحو اسانيد الروايات إذ قاموا باختصارها مما مهد وسهل الأمر  على الوضاعين بوضع الأحاديث ودس الإسرائيليات، كما اعتمدت التفاسير الأولى  على التفسير بالمأثور إلى أن انتقل التفسير انتقالا نوعيا مغايرا لما كان عليه من قبل وذلك مع ظهور الخلافة العباسية وتطور العلوم عند العرب وازدهار الترجمة واختلاط المسلمين العرب اختلاطا قويا وواسعا مع الشعوب الأخرى وتزود علماء هذا العصر بأزواد متنوعة من علوم عصرهم الطبيعية والفلسفية واللغوية، وكان ذلك في ظل الخلافة العباسية ، ولعل ذلك كله كانت الأسباب القوية التي حولت المفسرين من تفسيرهم الشخصي ببيان وجهات نظرهم والإعتداد المعظم بالتفسير اللغوي  إلى وجهة تفسيرية جديدة وهي الاهتمام بالتفسير  العقلاني المتأثر بثقافة العصر العباسى العلمية ، على أية حال فالمستقرئ لكل ماسبق من تفاسير في التراث القديم او التفاسير المعاصرة يجدها جميعا تعتمد على المفسر الفردي مثل : جامع البيان في تفسير القرآن للطبري، وتفسير القرآن العظيم للحافظ بن كثير والكشف عن بيان تفسير القرآن للثعلبي ولباب التأويل في معاني التنزيل للخازن وروح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي  والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وحديثا تفسير المنارللسيد محمد رشيد رضا وخواطري حول القرآن للشيخ محمد متولي الشعراوي، والواقع المعاصر يؤكد بوضوح ان التفاسير الفردية ذات النهج الأحادي باتت صعبة التحقيق لتكون على درجة من الشمول والعمق والدقة والإتقان المرجو والذي يتطلبه عصرنا الراهن بكل تعقيداته لأسباب عدة نذكر منها :1=أن التفسير القرآني لايعتمد فقط على التمكن العلمي للمفسر بل مواهبه الخاصة في الفهم والاستنباط 2= عصر الانفجار المعرفي وتطور العلوم الطبيعية وتكنولوجيا الاتصالات وعصر تدفق المعلومات يعجز العالم منفردا على مواجهتها وملاحقتها واستيعابها 3=ظَهور قضايا كبيرة جوهرية تتصل بالمجتمع الإنساني المعاصر لم ينبر ولم يتصد لها السابقون من المفسرين قدامي ومعاصرين 4= اشتباك القضايا الإنسانية الجديدة وتداخلها مع عدد من العلوم الطبيعية المعاصرة المتطورة، الأمر الذي يجعل مهمة المفسر الفردي شديدة الصعوبة 5=  إقبال المجتمعات (الغير إسلامية) وبخاصة (الأوربية) على دراسة وفهم الإسلام بعد موجات التطرف والإرهاب الديني والمعروفة بجماعات الإسلام السياسي التي صنعت صورة ذهنية سلبية ومشوهة في تصورات هذه الشعوب غير المسلمة 6= ان القرآن الكريم هو كتاب المسلمين الخالد وهو المدخل الأول لفهم الإسلام فينبغي بذل ماوسعتنا الطاقة لتوفير كل سبل تفسيره على النحو الذي يحقق غايات الإسلام ومثله العليا 7=ترهل التفاسير القديمة وصعوبة لغتها وتحميلها ببعض المرويات الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات  والمبالغة في تفسيرها إما لغويا او فقهيا او فلسفيا ممايبعد تلك التفاسير احيانا عن مقاصد الآيات الكريمة 8=ندرة العلماء الموسوعيين القادرين على التصدي لهذا المشروع العلمي بصورة انفرادية أحادية نظرا لما يحتاجه المفسر بالإضافة إلى مواهبه الخاصة كما يقول السيوطي إلى علمه بأسباب نزول الآيات والوقائع والقصص والأحداث التي نزلت فيها والعلم بالمتشابه والمحكم منها  والمكي والمدني والناسخ والمنسوخ والخاص والعام والحلال والحرام والمجمل والمفسر والوعد والوعيد المذكور فيها وأمثالها وعبرها.. ولتلك الأسباب الآنفة أرى أنه من الضروري التحول من منهج التفسير الفردي إلى  منهج التفسير الجماعي وذلك من خلال آليات لجنة علمية متنوعة التخصصات كثيرة الأعضاء من العلماء الكبار يتسم عملها بالبحث والتشاور  لإقرار مايعن لها من تفاسير تتناسب ومتطلبات العصر الراهن الذي يموج بتيارات فكرية وفلسفية وعلمية غير مسبوقة في قوتها وانتشارها  وتأثيرها وبحيث يكون تفسيرا يجيب عن كل أسئلة العصر ويخاطب كل العقول في كل بقاع الأرض