الثلاثاء 18 يونيو 2024 - 04:58 مساءً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 
 

دكتورة نيرمين عيد : تكتب.. مابعد الحداثة وفتح جدران الصوت



الخميس 05 أكتوبر 2023 12:39:46 صباحاً



قدمت ما بعد الحداثة للقارئ صك الغفران عما مضي من كبت لحريته الإبداعية ومن ثم لم يعد خائف من المخاطرة والفعل الثوري ومن التمرد على النص المحكم فتحول من قارئ سلبي إلى قارئ إيجابي متفاعل، فبإمكانه الآن الاستمتاع بحريته الإبداعية والمشاركة في صنع النص/ العالم الذي لا يتوقف عند حدود النبش بين السطور، الصور، الصوت، التاريخ، الأمكنة، الهوية بل يتخطى حدود التفسيرويعيد خلق هويته الذاتية وهوية النص، فهوية النص النهائية تخلق عبر المشاركة الفعلية للقارئ الذي يملأ الفجوات ويضيء نقاط العمى ويعيد تركيب المناطق المهمشة ويتشابك مع مراوغة مناطق القلقة بالنص ليصل إلى تشكل النص/ العالم أثناء فعل القراءة ذاته فهذا (التفاعل الدينامي بين النص والقارئ له طابع الحدث مما يساعد على إيجاد انطباع بأننا نشارك في شئ حقيقى ). ومن ثم فتحت باب المشاركة الفعالة للقارئ لوضع المعني، كما دمجت الفنون والاتجاهات وأطلقت عنان للاوعي والوعي في آن، معيده استكشاف الاعتيادي فلم يعد المكان مجرد مساحة جغرافية ولم يعد الصمت مجرد سكون، بل بحثا في دلالاته ومعانيه طارحة أسئلة من قبيل ماذا يفعل الصوت بنا ؟ كيف يؤثر الصوت على وعينا؟ فلكل صوت إمكانات مجهولة وفي اكتشافها نشوة تشبه اكتشافات كنز دفين مما يحدث تحرير وانعتاق للصوت السجين بداخلنا، فالصوت هو من دقائق طبيعة الإنسان الأكثر عمقا فهو مرآة الاوعي ويفضح العاطفة والإحساس ، فالسمع يسبق النظر بل هو أقوي وأوسع مجالا من الرؤية البصرية والحضارلت القديمة كانت حضارة ناطقة وكانت الذاكرة الفردية والجماعية هي الوسيلة الوحيدة للحفظ داخل المجتمعات، والصوت هو التعبير عن المقدس، الديني، والحكمة والمعرفة حلت في اللغة، والتي هي صوت. ومن بين الأعمال الفنية التي تناولت مفهوم الصوت وكيفية تجليه داخل النص سأتناول عملين مختلفين لإيضاح المعني عمل ينتمي للفنون التركيبية تعطيل الصوت والثاني مسحوق الهمس وينتمي لأدب القصة القصيرة، ورغم اختلافهما الفني والثقافي إذن ينتمي الأول لفنانة بصرية أمريكية و ينتمي الثاني للأديب المصري يوسف إدريس إلا إن كليهما يبحثان في إمكانات عالم الصوت، وكيفية تحويل الصوت المسموع لمرئيVisual Imagery الخاضع بالضرورة لأفكارنا ومشاعرنا الدفينة . تعطيل الصوت هو عمل تركيبي ثلاثي الأبعاد باستخدام فنون الفيديو والتشكيل في الفراغ video Installation للفنانة جوديت باري Judith Barry's، voice off وجاء بارتفاع خمسة أمتار وعرض أربعة عشر مترا وامتداد عشرة أمتار، استخدمت فيه الفنانة أحدث تقنيات الضوء في إنتاج الصورة وتحريك عناصرها الفنية على شاشات عرض ممغنطة, وكما قالت الفنانة (لإنشاء ما أسميه "مساحة قابلة للتصديق والسكن". ينتج عن ذلك إحساس بالمكان، والهيكل المعماري، يمكن تمييزه للمشاهد ويمكنه على ما يبدو أن يسكنه ويستفيد منه. ينعكس هذا في جميع أعمالي) يُقدم العرض في حجرة مقسمة إلى نصفين متطابقين والجدار الذي يفصل الغرفة هو منطقة العرض عبر مقاطع الفيديو الموجودة ويملأ عرض الحجرة شاشات للعرض في كلا القسمين وتعرض الشاشات تجربتين مختلفتين مكتملتين في نفس الوقت، ويلزم المتلقي أن ينتقل بين الحجرتين لتكتمل رؤيته للعرض، يعرض الجدار المشترك مقاطع فيديو تتسأل عن ماهية الصوت من حيث الاستحواذ والخسارة ، يقدم للمشاهد روايتين مجازيتين تتكشفان في وقت واحد، ومن جهة يُشبه التسلسل الحلمي المواجهات الشخصية والحميمة والداخلية التي يتمتع بها المرء مع الصوت وعلي الجانب الآخر، يتشتت انتباه الرجل الذي يحاول العمل بشكل متزايد بينما يحاول تحديد مصدر الأصوات التي يسمعها. ولنري القسمين عن قرب : في أحد الجانبين يقدم مشهد لرجل في حجرته حيث يمضي الوقت ببطء مثيراً للملل والضيق وينفق وقته ويستهلكه في التدخين، شرب القهوة، قرأت جريدة، التجوال في الحجرة ،التحدث في التليفون، الاستماع للموسيقى، وفجأة يسمع أصواتا وهمهمات وأغاني عالية لامرأة، صوتا أوبراليا جميلا ولكنها غير معلومة المصدر، يحاول تتبعا آثر الصوت، يفتح باب الحجرة أكثر من مرة بحثا عن الصوت، يتخيل أنه صادر من خلف المكتبة، يفك المكتبة ويبعثر الكتب دون جدوى، يحضر جهاز مسجل لكي يسجل الأصوات كدليل على وجودها إلى أن يجد في نهاية الأمرعصا جولف يفتح بها ثغرة في الحائط لينفذ منها إلى ما وراء الحائط – عند هذه النقطة بالمونتاج تتداخل الشاشتان فيدخل الرجل في الشاشة المقابلة في لحظة من الضباب والصمت فلا يجد شيئاً فيستسلم وبعد فترة يعود أدراجه. أما الجانب الآخر من الشاشة : فتمثله شخصية امرأة تقوم بتمثيلها امرأتان مختلفتان وتمتليء الشاشة بالضباب الحلمى الذي تختفي فيه الشخصيات وتظهر مع الموسيقى، العرض هنا ملء بالصوت والأحلام والشخصيات، كلام، مونولوجات، مقتطفات من أغان معروفة، علاقات حميمة، قصص كثيرة. العرض في تساؤله عن معنى الصوت يطرح عدة تساؤلات ماذا يفعل الصوت بنا؟ ما يثيره السمعي فينا من أفكار، مشاعر، تخيلات – مدى استجابتنا لعالم الصوت الذي يستدعى البصري عبر التخيل – وقد يثير الاختلافات النوعية بين عالم الرجال وعالم النساء، وتقول الفنانة إن العرض يبحث في خصوصية الصوت داخل الجسم، كيف يتملكنا الصوت، وبقدرتنا على أن نصبح ما نستمع إليه – أن نصبح مختلفين بسببه. في الحقيقة هناك مسارات للصوت. صوت بداخلنا، لا وعينا، مشاعرنا الدقيقة ويمثل مسار صوتي يتحكم فينا ويحركنا، يدفعنا، يشغل حيز وجودنا الخارجي عبر الدفع الداخلي، وأصوات المسارات الخارجية مما يصل إلينا عبر السمعي فيثير فينا المكبوت وغير معلن و يستحث فضولنا، يدفعنا للتجسس والتنصت، وقد يمتزج الاثنان أصوات المسارات الداخلية والخارجية، المكبوت وغيرمعلن وتلاقى الاثنين معاً قد يذهب بنا إلى همسات الجنون أو يوقعنا في أحبولة أحلام اليقظة اللانهائية تعويضاً عن المفتقد والغائب، حضوراً وهمياً لصدى الصوت الداخلي مترجم عبر مسارات البصري الضبابية. وفي قصة مسحوق الهمس للكاتب الكبير "يوسف إدريس" يلعب الصوت الركيزة الأساسية للقصة التي تتوازى مع عرض تعطيل الصوت "لجوديت" رغم الاختلاف. فالبطل في كليهما رجل يبحث في خرق وحدته عبر الصوت الآتي من خلف الجدار، ويقوم كلاهما بنبش الجدار آملا في التواصل مع الآخر وتحديداً النساء . في القصة ينتقل السجين (البطل) عبر الصدفة إلى الزنزانة الأخيرة في السجن، والتي تجاور سجن النساء، لا يفصلها عنه سوى جدار,هنا تتحول القصة إلي عالمين، عالم الرجال حيث يمثله مسجون وعالم نساء غائب – حاضر في خيال السجين وما بين العالمين يقع الصوت الذي يمتلك النصان، سجين إدريس يقبع في زنزانته حيث الوحدة، وخيالات عالم الرجولة والأنوثة، فمنذ سماعه لقصة المجرم الذي احتل الزنزانة واستطاع أن يثقب الجدار ويصنع ثغرة لينفذ إلى الجانب الآخر حيث النساء وهو يحلم باختراق الجدار فلقد حركت فيه المكبوت والدفين، فبدأ في دق الحائط أمل في التواصل مع الآخر إلا أن سمع أصواتا خافتة بعيدة مبهمة أفقدته القدرة على الحياة، ولم يعد يشعر بالحياة إلا من خلال تلك الهمهمات التي أعادت له الآخر المفتقد عبرالسمعى، وبالاستسلام للمعادل البصري المتخيل خاض سجين إدريس عالم الأحلام، تخيل الحبيبة – بادلها الحب – كون لها صورة واسم يرمي بدلالات حسية ونفسية فكانت " فردوس"، تجسيدا لتصوراته البصرية والحسية بكل معني الكلمة ، وبالتنصت لما وراء الجدار عاش ينتظر الأمل في اللقاء. أما رجل جوديت نجد في مشهده توازى بين غياب الصوت، الصمت – والانعزال الاجتماعي وغياب الآخر –وعندما يخدش الصوت جدار الصمت يصل بالرجل إلى حالة من القلق والتهيج النفسي، أنه لا يستسلم للصوت لا يدخل عبر مسارات الداخل، لا يجد أثر في الدفين المكبوت إلا فكرة الانقضاض وامتلاك الصوت، فسجين "إدريس" لم يجد أمامه إلا (الجردل المعدني) ليؤكد الصوت، ليعلن عن جيشان صوته الداخلي ليتواصل مع الآخر بنبرة أعلى، في حين نجد رجل جوديت يشغل المسجل ليسجل الأصوات (ليتملكها) كدليل على وجودها المادي الفعلي، إن ما يشغله هو حيز التملك وليس المتخيل. إن هذا الاختلاف بين العالمين لا يعبر عنه فقط الاختلاف التكنولوجي بين الجردل المعدني وجهاز المسجل ولكنه يطرح رؤية خلافية بين عالمين،عالم شرقي سجين يستسلم للأحلام الوهمية، يقظة استعاضية، ينفق العمر في الانتظار والتخيل، وعالم غربي ذا رؤية مادية بحتة ولا يبحث إلا على التملك، ذكورية مادية في حين يمتلك "سجين إدريس" ذكورية حسية، وعلي الرغم من المفارقة تتشابك النهايات، فعندما استطاع رجل جوديت اختراق الحائط والعبور إلى المنطقة الأخرى ، لم يجد شيئاً غير الصمت فلقد رحلت النساء إلى عالم الضباب فلم يجد إلا الاستسلام والعودة لإدراجه مرة أخرى، وواجه سجين إدريس نفس المصير عندما اكتشف عدم وجود حبيبته خلف الجدار، فلقد رحلت النساء من العنبر، وربما قبل تواجده في تلك الزنزازنة لم تكن موجودات ولكنه مع ذلك ظل قابعاً تحت سيطرة الصوت الذي تملكه إلى درجة لم تصل إليها أى امرأة عرفها فعلياً. وتقع منطقة التشابك بين النصين في (نص يوسف إدريس وعالم الرجال( السجين )الباحث عن صوته الآخر- نص جوديت وعالم الرجل الباحث عن اقتناص الصوت/ وعالم النساء) فكليهما يبحث في عالم الصوت، وفي القدرة على تحويل السمعي إلى عالم بصري ملء بالخصوبة، ففي عالم النساء نجد امتلاك القدرة على تحويل المجرد وإظهار للمشاعر المكبوتة والسماح بالدفين للخروج والسباحة في عوالم ضبابية بأحلام اليقظة الملء بالقصص والأحاكى والليالي والمشاعر ويتوازى سجين إدريس مع عالم النساء لجوديت. فالصوت عند كليهما يمثل الحرية ، التخيل، حضور الآخر، امتلاك للبصرى، بينما يمثل رجل جوديت غيابا للآخر- الصمت، مصدر للقلق وللفقد والضياع وعدم السيطرة، ضياع أسفل رغبات التملك – ذلك التملك الذي حجب رؤية الحياة ذاتها. إن مقاربات نص "يوسف إدريس" بعرض "جوديت" يجعلنا نعيد رؤيتنا للموروث والمكبوت ويفتح آفاقنا المعرفية للاختلافات لنستكشف مناطق جديدة تتجاوز السمعي والبصري وتقترب للتساؤل عن مناطق الذكورة والأنوثة، الشرقي والغربي، حوار للحضارات والثقافات، يجعلنا نطرح تساؤلاً عن ماذا تريد النساء والرجال ؟ هل هو امتلاك نبض الحياة؟ أم أن تعيش الحياة ذاتها ، نمارسها حتى على مستوى الحلم، وهل يقترب عالم الشرق رغم فحولته الذكورية الظاهرة إلى عالم الحسي ؟ هل يتشابك عالم النساء الحسي بعالم الشرق الحسى وما مدى التقاربات؟ لذا فإعادة قراءة النصين معاً، لا يفتح الاثنين فقط على تعددية التلقي، بل على استكشاف مناطق أكثر عمق، ويتوغل في مناطق متشابكة مع كافة الأطر السياسية والاجتماعية والنوعية والتباينات الثقافية.