الأربعاء 28 فبراير 2024 - 05:04 صباحاً - القاهرة

     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 

 

  الأكثر قراءة

 
 
 

ما أسباب تراجع الأغنية

  ازمة صوت

  ازمة كلمة

  ازمة لحن

  غياب دور الدولة في تبني أصوات جادة


نتائج

 

 
 

الرئيسية ابداع "أشلاء وكلمة " جميلة الوطني : البحرين

 

 قصص
 

"أشلاء وكلمة " جميلة الوطني : البحرين

  السبت 25 نوفمبر 2023 12:42 مساءً   




 

بدا قلبها بين جنبيها كياجورة محترقة، والظلال تحجب قدرتها على الرؤية.. صوت يهمس في أذنها.. يحثّها على السير إلى هناك.. إلى حيث عليها إنقاذه.. استجابت للصوت.. حفرت طريقًا يضمن لها الخروج.. انفجرت.. وقررت بقطعة الملابس البيضاء الّتي ترتديها الانطلاق.. السير إليه.. وهي تردد:

  • لا بد وأن أنقذك.. بإنقاذك أنقذهن من الظلام الذي يحيط بهن.. من الألم الذي يعذبهن.. من اليأس الذي يسيطر عليهن..!

***

 

يشهق كأن أنفاسه قد قطعت، ومع تقاطع أنفاسه يجد نفسه في مواجهة البحر.. يتمعن أمواجه الهادئة المكوَّنة لزبد البحر.. يرى الغيوم معكوسة وكل السائرين على الشريط الساحلي.. مرتادي البحر صورهم تنعكس في ماء البحر.

يتجاوز الصخور، وبعض القواقع، ويحاول أن يتفادى تحريك الماء أمام صور البشر التي تتمدد على سطح ماء البحر بدون روح، وصوت، وأقنعة..  يرى أجسادهم وقد انقلبت، رؤوسهم إلى الأسفل وأرجلهم للأعلى.. بدا انعكاس الغيوم كقطن أبيض هش.. خيّل له فتياته وهن في مقتبل العمر، يعدل خصلة لهذه، وينظر لعيني تلك بعدساتها الملونة، ويتغزل في أخرى، يواعد ويتصل في أخريات، وهكذا دواليك، صدفة ويمر طير.. يتأمله جيدًا.. يرى جسده مقلوبا هو الآخر.. يلاحق ظله في الماء.. كلما اقترب منه بُعد الطير أكثر حتى بصق بفضلاته على رأسه، كاد أن يشعر بأنه ضحية ذلك الطير مذعورًا منه فقال في نفسه:

- حتى وأنتِ على شكل طير ترميني بخرائك، ها أنت لازمتني طوال حياتي خوفًا منك ورعبًا من طيرانك برشاقة وخفة.. يشتاط غضبًا من نجاح المرأة التي في موقع المنافسة معه، ينكر ذلك ويصرخ "أنا من جعلتها ناجحة" يحدق ويتمعن وجهه المعكوس في ماء البحر رأه الذي تغير منذ خروجه، باهت اللون، تتلاشى ابتسامته خلف أسنان صفراء، جال ببصره في الأرجاء.. لم تكن سوى أفكاره.. قال بصوت هامس، يخاطب البحر:

  • يا بحر ما بها الصور كمن فقدت لونها ورونقها؟
  • مجرد صور فوتوغرافية سوداء!
  • لم أفهم؟!
  • كالألواح طافية على ظهري!
  • مرة أخرى لم أفهم؟!
  • ولن تفهم ابدًا!

بغروره وجبروته حاول أن ينتقم من البحر لأنه في كل مرة يصفه بعديم الفهم، وأكثر المرات بالغادر، وأنا أحد هؤلاء المبصومين بالمكر، قال له بعصبية:

  • لماذا يتم وصمنا نحن الرجال بالغدر؟ أنتَ من عُرف بالغدر أكثر منا.
  • علمتمونا الغدر..
  • نحن؟!
  • أنتم الأساتذة، ونحن التلاميذ!

صمت عاجزًا عن الرد، فسار خائضًا مياه البحر، وهو مكشر، رمى ببعض الحصوات في الماء، فتكونت دوائر متداخلة.. مختلفة الأحجام، كل دائرة أشارت إلى تاريخ ما من تواريخ حياته، الدائرة الأولى تقفز منها الدهاء، والثالثة قساوته، والرابعة تجرده من القيم، وأما الخامسة والأخرى المخدوعات، وبائعات الهوى، أحدهن أرعبته عندما ظهرت له ببرقعها وعينين ملونة.

ويستمر في رمي الحصى الصغيرة، إحدى تلك الدوائر أرته صورته.. بدا فيها بطلًا بخلقة قبيحة.. أحاله غروره إلى تذكر خداعه  للفتيات والكلمات المعسولة والمخادعة التي قالها لهن بهدف اصطيادهن؟.. كم خليلة وعشيقة في حياته يتنافسن عليه.. حتى ظن نفسه هارون الرشيد.

  • ألم أقل لك.. أنت مثل بعض البشر المنعكسة صورهم لكي أراهم بهيأتهم الحقيقية. قال له البحر.
  • إنني أشفق عليك، أجبني.. أينك من عائلتك في تلك الدوائر؟

ثار جنونه وهاج من سؤال البحر المطروح، سار بخطوات واسعة وهو يخوض عباب المياه، أغمض عينيه، وفتحها..  جال بنظره للبعيد، وتمتم:

  • كف يا بحر عن إجباري على السير في مطبات أمواجك.
  • أولًا وأنت تحدثني.. ارفع صوتك كي يسمعك الجميع!
  • إن رفعت صوتي انكشف ما بداخلي من... فاعتذر.. فأنا مخطئ أتيت كي أقضي الوقت معك!
  • ثانيًا.. رمم نفسك بدلًا من أن تكون مجرد دمية متسلطة!
  • قف عن إهانتي!
  • أفكارك نحو ذلك الطير تحاصرك من كل الجهات!

سأكمل طريقي ولن أعيرك اهتمام، ينظر لصورته المنعكسة في البحر بنظرة اشمئزاز، كشف البحر حقيقته.. نصير المرأة هو الأكثر تجردًا من قيم نصرها، همهم مخاطبًا نفسه:

  • سأعد كلمة عرمرمية ليوم المرأة فعيدها غدًا..!
  • اللعنة!
  • سأضيف الكثير من الجماليات والمفردات الرنانة في خطبتي، وأعد وليمة شهية، وأرحب بالضيوف الكبار، وأتكلم عن حقوقها، والقوانين المطلوب تغييرها، كي يشعرن بالزهو والحبور، حتى وإن كانت في الحقيقة هي مجرد امرأة تابعة لي..

ما أن انتهى من التوصل لفكرته تلك حتى شعر بيد حانية تربت على كتفه.. يد أمه التي توفيت قبل سنوات وعادت إلى الحياة لأجله..

  • بُني.. هل تعرف بإنني امرأة وأنت مجرد تابع لي؟

كادت الصعقة أن تقتله..!